يأتي هذا التوقع في أعقاب انكماشٍ مرتقب بنسبة 2.4 % خلال عام 2026

تقرير: دول الخليج تمضي نحو تعافٍ اقتصادي في ظل التعامل مع تداعيات النزاع.. وتوقعات بنمو يصل إلى 8.1 % بحلول 2027

يُتوقع أن يسجل قطاع النفط في دول الخليج انخفاضًا بنسبة 14.5 % خلال عام 2026... وانتعاش بنسبة 23.5 % في عام 2027  نجحت البحرين في إتمام إصدار سندات سيادية بقيمة مليار دولار خلال شهر يونيو الجاري انخفاض أعداد الزوار إلى المنطقة بنحو 30 % خلال عام 2026

من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج نموًا بنسبة 8.1 % بحلول عام 2027، مدعومًا بعودة تجارة الطاقة إلى مساراتها الطبيعية، وتنامي الطلب على السفر، واستعادة الثقة في بيئة الأعمال. ويأتي هذا التوقع في أعقاب انكماشٍ مرتقب بنسبة 2.4 % خلال عام 2026، والذي يُعزى إلى الاضطرابات الإقليمية التي ألقت بظلالها على صادرات الطاقة وقطاع السياحة وقرارات الاستثمار، وذلك وفقًا لتقرير ‮«الرؤية الاقتصادية: الشرق الأوسط - الربع الثاني 2026‮»، الصادر عن معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) بالتعاون مع ‮«أكسفورد إيكونوميكس‮». وتستند هذه التوقعات إلى السيناريو الأساسي للتقرير، الذي يأخذ بعين الاعتبار التطورات المرتقبة، بما في ذلك اتفاقية السلام الرسمية المتوقع توقيعها بين الولايات المتحدة وإيران في 19 يونيو 2026.

اضطرابات إنتاج الطاقة تدفع نحو انكماش اقتصادي على المدى القريب.

يُعزى هذا الانكماش إلى حجم التعطل في عمليات إنتاج الطاقة وتدفقات حركة التجارة؛ حيث يُتوقع أن يسجل قطاع النفط في دول الخليج انخفاضًا بنسبة 14.5 % خلال عام 2026، في أكبر تراجع له منذ عقود. وبالمقابل، يُتوقع أن يحقق القطاع انتعاشًا قويًا بنسبة 23.5 % في عام 2027، مدفوعًا بتعافي الإنتاج بعد الانخفاض الحاد الذي شهده مؤخرًا.

وبحسب التقرير، تشير التوقعات إلى أن السعودية وسلطنة عُمان ستكونان الأقل تأثرًا بالتداعيات السلبية خلال العام الجاري بين اقتصادات دول الخليج، مع ترجيحات باستمرار نمو اقتصاديهما. وقد أسهمت قدرة السعودية والإمارات على تحويل مسار جزء من الصادرات عبر خطوط أنابيب بديلة في الحد من التأثيرات الاقتصادية مقارنةً بنظرائهما من منتجي النفط في المنطقة. وعلى صعيد أسعار النفط، يُتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 90 دولارًا للبرميل في عام 2026، مقارنةً بتقديرات سابقة بلغت 90.2 دولار قبل ثلاثة أشهر.

وفيما يتعلق بالأنشطة غير النفطية، كشفت بيانات مؤشر مديري المشتريات لشهر مايو عن أداء قوي لكل من السعودية والإمارات، حيث وصل نمو الإنتاج إلى ذروته في ثلاثة أشهر، مدفوعًا بتحسن نمو الطلب المحلي. وبشكلٍ عام، يُتوقع أن تشهد القطاعات غير النفطية في دول الخليج انكماشًا بنسبة 1.1 % خلال عام 2026، على أن تعاود النمو والتعافي خلال عام 2027 وما بعده.

والجدير بالذكر أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي للسعودية للربع الأول من عام 2026 قد كشفت عن آلية انتقال الصدمات الاقتصادية؛ إذ تباطأ النمو ليصل إلى 3 % على أساس سنوي، بالتزامن مع تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 6.8 % على أساس ربع سنوي، نتيجة تأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز في أواخر الربع ذاته. أما الأنشطة غير النفطية فقد سجلت نموًا طفيفًا بنسبة 0.3 % بالتزامن مع زيادة في الإنفاق الحكومي، وهو ما يعكس مرونة نسبية في الاقتصاد المحلي؛ إذ تركزت التأثيرات السلبية القريبة في قطاع الطاقة، دون أن تمتد بشكل واسع إلى باقي قطاعات الاقتصاد.

قطاعا السفر والسياحة في مرحلة تكيف أكثر استدامة

تأثر قطاعا السفر والسياحة في دول الخليج بشكلٍ حاد نتيجة التوترات الإقليمية؛ حيث تشير التوقعات إلى انخفاض أعداد الزوار إلى المنطقة بنحو 30 % خلال عام 2026. وتُشير تقديرات التقرير إلى أن هذا التراجع يُمثل انخفاضًا ملموسًا في أعداد الزوار بعشرات الملايين، وما يتبعه من خسائر بمليارات الدولارات في حجم الإنفاق السياحي على مستوى المنطقة.

فمن المرجح أن يستغرق تعافي قطاعي السياحة والسفر وقتًا أطول مقارنة بقطاع الطاقة، نظرًا لارتباط الطلب السياحي الوثيق بعوامل الثقة وسهولة الوصول. ومع ذلك، تظل النظرة المستقبلية للقطاع على المدى المتوسط إيجابية؛ فبفضل البنية التحتية المتطورة والاستثمارات الاستراتيجية المستمرة في تعزيز القدرات السياحية، تمتلك المنطقة قاعدة صلبة تؤهلها لاستعادة زخمها القوي فور تحسن الظروف.

الأوضاع المالية والأسواق المالية.. مرونة ملحوظة

من المتوقع أن تواصل حكومات دول الخليج زيادة إنفاقها خلال العام الجاري، مع التزامها الكامل بأولوياتها الاستراتيجية في قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والرعاية الصحية. ونظرًا لمستويات الدين العام المنخفضة نسبيًا لدى معظم هذه الحكومات، تظل مخاطر التمويل تحت السيطرة وضمن الحدود الآمنة. وفي السياق ذاته، نجحت البحرين في إتمام إصدار سندات سيادية بقيمة مليار دولار خلال شهر يونيو الجاري، وسط طلب قوي فاق حجم الطرح؛ ويُعد هذا الإصدار الأول من نوعه في المنطقة منذ اندلاع النزاع، مما يعكس متانة الجدارة الائتمانية لدول الخليج، ويؤكد استمرار ثقة المستثمرين في اقتصاداتها.

إضافةً إلى ما سبق، ساهمت تدابير إدارة السيولة التي اتخذها مصرف الإمارات المركزي في تخفيف المخاوف العاجلة في الأسواق المحلية. ويؤكد التقرير عدم وجود آثار سلبية طويلة الأمد على قوة الملفات الائتمانية للمنطقة، مع توقعات بعودة الحكومات الخليجية والجهات التابعة لها إلى أسواق الدين العالمية فور استقرار الأوضاع.

ورغم الاضطرابات الأخيرة، ما تزال الضغوط التضخمية تحت السيطرة نسبيًا في مختلف أنحاء المنطقة؛ حيث يُتوقع، وفقًا للتقرير، أن يبلغ متوسط معدل التضخم 2.6 % خلال عام 2026، مدفوعًا بشكل رئيسي بارتفاع أسعار المواد الغذائية. ومع ذلك، من المرجح أن تظل هذه الضغوط السعرية مؤقتة، مع توقعات بانخفاض متوسط التضخم إلى 2.1 % في عام 2027، تزامنًا مع تلاشي العوامل المؤقتة المرتبطة بالتوريد.

وفي تعليقها على نتائج التقرير، صرّحت هنادي خليفة، المدير الإقليمي لمعهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، قائلةً: ‮«على الرغم من حجم الاضطرابات التي شهدناها هذا العام، والتي انعكست بوضوح على المؤشرات الاقتصادية، إلا أن المنطقة أظهرت مرونةً لافتةً في التعامل مع هذه التحديات؛ إذ اتخذت الحكومات إجراءات سريعة وفعالة لدعم الأنشطة الاقتصادية، ونجحت في تأمين مسارات تجارية بديلة، في حين حافظ الطلب المحلي على مستويات أداء فاقت التوقعات‮». وأضافت: ‮«إن فرص الانتعاش الاقتصادي المرتقب لعام 2027 كبيرة، والظروف اللازمة لتحقيقه بدأت تتشكل بالفعل‮».

من جانبه، أوضح آزاد زنكنة، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي لدول الخليج في ‮«أكسفورد إيكونوميكس‮»، قائلاً: ‮«على الرغم من أن التداعيات الاقتصادية للنزاع بدت واضحة ومحددة في قطاعات معينة، تمثلت في التراجع الحاد لإنتاج الطاقة، واضطراب قطاع السياحة، وتباطؤ وتيرة الاستثمارات؛ إلا أن مؤشراتنا الأساسية في التقرير تشير إلى تعافٍ سريع‮». وأضاف: ‮«إن التوقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج بنسبة 8.1 % في عام 2027، مدعومًا بنمو في قطاع النفط بنسبة 23.5 %، تعكس مرونة المنطقة وقدرتها على استعادة الزخم الاقتصادي سريعًا، ولا سيما مع استئناف حركة التجارة وعودة الطلب على السفر إلى مستوياته الطبيعية‮».