بركة الموز في سلطنة عمان تراث في الأكناف ونزل وأضياف ومقاديم أرياف

| محمد عبدالله العلي

ليس من المستغرَب أن يزورها مليون و40 ألف زائر في الربع الأول هذا العام الطبقات العمرانية في حارات بركة الموز تشير إلى أنها أنشئت في فترات زمنية متعددة تصنف إداريا على أنها إحدى نيابتين تابعتين لولاية نزوى بمحافظة الداخلية فلج الخطمين.. تحفة ريّ عُمانية من عهد اليعاربة بطول 2450 كيلومترا وقدرة ضخ 200 لتر بالثانية

 

حين تأتي عُمان، فإنك تدخل عين التاريخ. وعندما تجول في محافظاتها، وولاياتها، ونياباتها، شرقا، وغربا، وشمالا، وجنوبا فإنك تتجلّل بسياحة قد لا تجدها مجتمعة في مكان آخر. لذلك، ليس من المستغرب أن يزورها مليون و40 ألف زائر في الربع الأول من هذا العام 2026، وعينهم على أرض يتوهّج فيها الجمال والتاريخ معا. إن أردت الجبال، فـ15 % من أرض عمان شواهق. وإن أردت الصحاري، فهناك أبو الطبول، أو رمال الشرقية. وإن أردت الكهوف، فأمامك ثمانية منها، تمنحك سجلا للأرض وأسرارها. وإذا ما أردت مشهدا غير السّموم، فإليك صلالة أو الجبل الأخضر. وإن أردت السواحل، فأمامك أزيد من 3 آلاف كيلومتر، من مسندم شمالا، ولغاية ظفار جنوبا. بركة الموز كنت في رفقة جميلة، مع الدكتور ناصر الصقري أستاذ التاريخ الحديث المساعد بجامعة السلطان قابوس، والدكتور عبدالله العبيد أستاذ التاريخ المساعد بجامعة الكويت، إذ كان الدكتور الصقري قد دعانا لزيارة بركة الموز، فأكرم في القرى كعادته. خرجنا من مسقط باتجاه داخلية عمان. ابتلعت الرحلة محطات كثيرة، من الرسيل وفنجاء، وسمائل، وإزكي إلى أن حطّت رحالنا في نيابة بركة الموز. تبعد ”البركة“ عن جارها العملاق وهو الجبل الأخضر 36 كيلومترا، وعن نزوى 25 كيلومترا. الجبل، يعرف عنه أمران: تاريخه ومناخه. أما نزوى فتعرف أنها مدينة العلم العلماء، وقد صدر أخيرا كتاب يتحدث عن مدرستها العلمية (ومعها الرّستاقية) شارك فيه أستاذنا الدكتور علي الريامي أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك رئيس قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس. منذ أن جاء سلطان بن سيف اليعربي، ثاني أئمة اليعاربة إلى بركة الموز، و “أحدث فيها فلج البركة“ جرت مياهٌ كثيرة حوله، فعندما شقّ هذا الفلج، فاضت مياهه فوّارة غزيرة، فانسابت الحياة في محيطه، وارتوت مساحات شاسعة من الأرض، جعلت هامات النخيل ”تتباسق“، وآجام الشجر يلتفّ، فتحوّلت هذه ”البركة الجديدة“ إلى روضة غنّاء، ”تمرّ الريح فيها غير صافية الصوت؛ من كثافة عشبها والتفافه“ كما في اللسان. لا يوجد تاريخ دقيق لتأسيس بركة الموز، على الرغم من أن صاحب نهضة الأعيان، ساوى عمارتها بعمارة الحمراء في نزوى، فالطبقات العمرانية في حارات بركة الموز تشير إلى أنها أنشأت في فترات زمنية متعددة، بعضها يعود لأيام اليعاربة، بينما بعض دلائلها (رسوم الجدران، والمتحجرات في محيط هذه المنطقة، والمدافن في تلة جنوب بيت الرديدة والمسجد الجامع) تشير إلى استيطان أقدم، قد يعود بعضه إلى ما قبل الإسلام. لذلك فحارة السيباني هي نسيج عمراني تاريخي متراكم. الدخول إلى ”البركة“ في أول دخول لنا إلى بركة الموز، صعدنا بحركة خاطفة عبر سيارة دفع رباعي إلى قمة صخرية، مكّنتنا من أن نرى منظرا بانوراميًّا رائعا للبركة. رأينا الحارات القديمة كحارة السيباني الأثرية، التي تضم مباني طينية، والمحاطة بواحة خضراء من النخيل والشجر، وجبال حمراء وبنّيّة، كأنها متخمة بأكاسيد الحديد، التي عادة ما تلتهمها التربة والصخور. تصنّف بركة الموز إداريّا على أنها إحدى نيابتين تابعتين لولاية نزوى بمحافظة الداخلية، وقد سمّيت بهذا الاسم بسبب احتضانها لمياه الأودية والشّعاب، التي كانت تتجمّع فيها، حيث نشأت بركة مياه، مجاورة لأرض خصبة، هيّأتها لأن تكون زراعية، وكان الموز أحد الأنواع التي تبنّى العمانيّون في البركة زراعتها. عندما تنظر إلى الأبنية الموجود في بركة الموز، وحاراتها التاريخية، تكتشف أنها كرّست نمطا اجتماعيّا، خلقته ظروف القرب المكاني، فجدران البيوت المتقابلة، والسطوح المفتوحة، وممرات الحارات الضيقة، والمساحات العامة المشتركة، صنعت حياة، يعرف الناس من خلالها بعضهم بعضا دون عناء. كما عزّز ذلك البناء أمانهم الداخلي، وأصبح هذا الانكشاف الاجتماعي ضامنا لـ ”خصوصية المجموع“ وهويّة للمكان. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني).

محمد عبدالله العلي كاتب بحريني

نُزُلٌ سيبانية في عين ”حارة السيباني“، ونحن نتسلق مدارج سفحها، اكتشفنا على كتفها الأيمن كوّة محاطة بالطين والحجر، أفضت بنا إلى ما يشبه الواحة الصغيرة، مزروعة في بطن الحارة، يأخذ سحر جمالها الألباب. هذه الواحة شيّد فيها مشروعٌ فندقيٌّ، تحت مسمّى ”بيت الصباح“ ينزل فيه السيّاح والزائرون للمنطقة، لذلك يسمّيه العمانيّون بالنزل. كل من يزور المكان يرى أنه إعادة إحياء للذاكرة المكانية، متجاوزا وظيفته السكنية لما هو أبعد من ذلك، حيث الحالة الثقافية والسياحية التي تمنح المنطقة الاستمرارية. جمال المكان المشع هو من جمال تصميمه الطيني والجبلي، الذي ترك تكوينه العضوي بلا هندسة مصطنعة، وصيغ بناؤه من سنخ الحارة ”السيبانية“. ولم تحل الجبال المحيطة به دون أن يظهر بهذه الكيفية، بل أعانته على أن يكون فصيلها الذي لا فكاك منه عنها. وقد أكسب الجبل في الخلف المكان الحماية والهيبة، بينما منحته الواحة الظّل والماء والأحزمة الخضراء، فبيئة المكان ليست معادية، تبتلع المحيط مع الزمن، كما ابتلعت ريو نوفو، بقصرها ومزرعتها، لذلك تجد العديد من الأبنية صامدة على الرغم من تقادم الزمن. فلج الخطمين عند نزولك باتجاه الحارات الداخلية، يأسرك المنظر، ويحيلك إلى حقب مضت. في بركة الموز ثلاثة تمركزات عمرانية تقليدية: السيباني، والمقاصير، والوادي، فضلا عن الحارات الداخلية، التي بدأت تنداح أبنيتها في العمارة الجديدة، والتمدد الحضري الزاحف. 

عندما تسير إلى الداخل، تلاحقك النخيل الباسقات بصفّيها، ورائحتها التي تملأ المكان، كأنها تشكّل نفقا عميقا يرحّب حجّابه بزائريه. كانت وجهتنا هي فلج الخطمين، الذي بناه اليعاربة، ويبلغ طول قنواته 2450 كيلومترا، في ساقيتيه، العلوية، والسّفليّة. وهو من الأفلاج الغنية في عمان، إذ يمكنه ضخ مئتي لتر في الثانية. وهذا الفلج منذ العام 2006 مسجّل ضمن خمسة أفلاج عمانيّة، في قائمة التراث العالمي. والأفلاج هي من عجائب الهندسة العمانيّة القديمة، إذ وصفها ويلكنسون بأنها ”نظام ري مذهل“.

كانت جولة سريعة بدأت من الرواح وإلى هزيع من الليل، لكن وزن المكان أعطاها قيمة أكبر، خصوصا أننا ختمناها بزيارة للجوار. وعلى الرغم من زياراتي المتكررة لعمان الحبيبة إلاّ أنني ما زلت أكتشف جمالها في كل مرة، إذ يتعلّق القلب بكل مكان أزوره، وكانت آخر نزهة للمشتاق هي بركة الموز، التي عاهدت نفسي أن أزورها مرة أخرى. 

 

محمد عبدالله العلي كاتب بحريني