البحرين من ممر للتجارة إلى مركز لصناعة الخدمات
عندما يذكر التنافس الاقتصادي في الخليج تتجه الأنظار عادة إلى النفط أو المراكز المالية أو المشاريع العقارية الضخمة، إلا أن جانباً آخر من المنافسة يجري بعيداً عن الأضواء يتمثل في سباق متنامٍ للسيطرة على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية ففي عالم تدور فيه تجارة دولية تقدر بنحو 35 تريليون دولار سنوياً أصبحت القدرة على استقطاب حركة البضائع والمسافرين وربط الأسواق العالمية أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والتنافسية بين الدول. ومن هذا المنطلق تكثف البحرين استثماراتها وشراكاتها في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية في مسعى لتحويل موقعها الاستراتيجي إلى ميزة اقتصادية مستدامة تدعم النمو غير النفطي وتعزز تنافسية الاقتصاد الوطني وتأتي مشاركة المملكة في معرض برلين الدولي للطيران 2026 لتسلط الضوء على هذا التوجه في وقت يشهد فيه القطاع سلسلة من المشاريع والشراكات الاستراتيجية التي تستهدف ترسيخ مكانة البحرين كمركز إقليمي للنقل والشحن والخدمات اللوجستية. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم هذه المشاريع بقدر ما يتعلق بقدرتها على تحويل حركة التجارة والنقل إلى قيمة اقتصادية مضافة بما يسهم في خلق فرص استثمارية جديدة وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية وترسيخ موقع البحرين ضمن خريطة المراكز اللوجستية الإقليمية خلال السنوات المقبلة. الخدمات اللوجستية قطاع صاعد وفي البحرين لم يعد قطاع النقل والتخزين مجرد نشاط خدمي مساند بل تحول إلى أحد مكونات الاقتصاد غير النفطي بعدما سجل نمواً بنسبة 4.7 % بالعام 2025 وأسهم بنحو 5.1 % من الناتج المحلي الإجمالي في مؤشر على تنامي دوره في دعم التجارة والاستثمار وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإقليمية والعالمية ويكتسب هذا النمو أهمية خاصة في ظل توجه المملكة نحو تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل. ولا تقتصر أهمية القطاع على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي بل تمتد إلى دوره في دعم قطاعات التجارة والصناعة والسياحة والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية فكل عملية استيراد أو تصدير وكل استثمار صناعي جديد يعتمد بصورة أو بأخرى على كفاءة منظومة النقل والخدمات اللوجستية وقدرتها على نقل البضائع والمواد الأولية والمنتجات النهائية بسرعة وكلفة تنافسية. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة الخليج سباقاً متسارعاً لتطوير الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية في ظل سعي العديد من الدول إلى ترسيخ مكانتها كمراكز إقليمية للتجارة والنقل وفي هذه البيئة التنافسية، تواصل البحرين تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية من خلال الاستثمار في البنية التحتية وتعزيز الشراكات الدولية وتبني الحلول الرقمية بما يدعم قدرتها على الاستفادة من النمو المتوقع في حركة التجارة الإقليمية والعالمية. ومن هذا المنطلق لا ينظر إلى الخدمات اللوجستية باعتبارها قطاعاً خدمياً فحسب، بل باعتبارها استثماراً استراتيجياً في البنية الاقتصادية للدولة وأحد الأدوات القادرة على دعم النمو غير النفطي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المدى الطويل. الكفاءة بدل الحجم.. كيف تبني البحرين ميزتها اللوجستية؟ في ظل المنافسة المتصاعدة بين المراكز اللوجستية الإقليمية لا تبدو البحرين في سباق لبناء أكبر ميناء أو أضخم مطار في المنطقة، بقدر ما تركز على بناء ميزة تنافسية قائمة على الكفاءة وسرعة الإنجاز والقدرة على الربط بين مختلف وسائل النقل فمع توسع الاستثمارات الضخمة في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية بدول الخليج أصبحت القدرة على تقليص الوقت والتكلفة عاملاً حاسماً في جذب الشركات العالمية وتعزيز موقع الدول ضمن سلاسل الإمداد الدولية. وتكشف المؤشرات التشغيلية خلال العقد الماضي عن تحول لافت في طبيعة النمو الذي شهده قطاع النقل في البحرين فعلى الرغم من ارتفاع عدد المسافرين عبر مطار البحرين الدولي من 8.59 مليون مسافر في العام 2015 إلى نحو 9.74 مليون مسافر في العام 2025 بنمو بلغ نحو 13.4 % فإن القفزة الأكبر تحققت في حركة البضائع والشحن فقد ارتفع حجم الشحن الجوي من 190.3 ألف طن إلى أكثر من 405 آلاف طن خلال الفترة ذاتها مسجلاً نمواً تجاوز 112 %. وتتكرر الصورة ذاتها في القطاع البحري، حيث ارتفع عدد الحاويات المتداولة عبر ميناء خليفة بن سلمان من 183,853 حاوية في العام 2015 إلى ما يقارب 409 آلاف حاوية في العام 2025 بزيادة تجاوزت 122 % وتظهر هذه الأرقام أن النمو في القطاع اللوجستي البحريني لم يكن مدفوعاً بزيادة حركة المسافرين فحسب بل جاء بصورة رئيسة نتيجة التوسع المتسارع في حركة البضائع والتجارة. وتحمل هذه التحولات دلالات اقتصادية مهمة، إذ تشير إلى أن البحرين باتت تستفيد بصورة متزايدة من موقعها كمحطة للتجارة وإعادة التصدير وربط سلاسل الإمداد وهي أنشطة غالباً ما تحقق قيمة اقتصادية أعلى من النقل التقليدي للمسافرين. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في قدرة البحرين على توظيفها ضمن منظومة لوجستية متكاملة تربط بين النقل البحري والجوي وتبرز هذه الميزة بشكل خاص من خلال مركز الربط البحري الجوي (Sea-to-Air Hub) الذي يتيح نقل البضائع بين الميناء والمطار خلال نحو ساعتين فقط مع إمكانية خفض تكاليف الشحن بنحو 40 % مقارنة بالشحن الجوي التقليدي. كما انعكست هذه الجهود على مكانة البحرين الدولية حيث تقدمت المملكة إلى المرتبة 34 عالمياً والثانية عربياً في مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي بعد أن حققت واحدة من أكبر القفزات بين دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة ويعكس هذا التقدم نجاح السياسات الرامية إلى تطوير البنية التحتية وتبسيط الإجراءات وتعزيز كفاءة الخدمات اللوجستية. من حركة العبور إلى اقتصاد الخدمات الجوية إذا كانت المرحلة الأولى من تطوير قطاع الطيران والخدمات اللوجستية في البحرين قد ركزت على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة حركة النقل فإن المرحلة الحالية تبدو أكثر ارتباطاً بتعظيم القيمة الاقتصادية المتحققة من هذه الحركة فالمنافسة بين المراكز اللوجستية لم تعد تقتصر على استقطاب المزيد من الطائرات أو البضائع بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على تحويل هذه التدفقات إلى أنشطة اقتصادية عالية القيمة تشمل الصيانة والهندسة والتدريب وإدارة العمليات والخدمات اللوجستية المتخصصة. وفي هذا السياق يبرز إعلان شركة DHL عن استثمار بقيمة 85.1 مليون دولار لإنشاء أول مركز إقليمي لصيانة الطائرات تابع لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمطار البحرين الدولي ويعد المشروع أكثر من مجرد توسعة تشغيلية إذ يستهدف إنشاء منشأة متخصصة لصيانة أسطول الشركة العالمي وتجميع عملياتها الجوية الإقليمية في موقع واحد ما يضع البحرين ضمن سوق الخدمات الجوية المتخصصة التي تحقق عوائد اقتصادية أعلى مقارنة بأنشطة العبور التقليدية. ولا يبدو اختيار البحرين لهذه المشاريع مصادفة بل يعكس جملة من المزايا التنافسية التي طورتها المملكة خلال السنوات الماضية تشمل الموقع الاستراتيجي، وسرعة الإجراءات التنظيمية والتكامل بين الميناء والمطار إلى جانب البيئة التشريعية الداعمة للأعمال. كما تعكس الشراكة مع مجموعة AirAsia تحولاً مماثلاً في طبيعة الاستثمارات المستهدفة فاختيار البحرين لتكون أول مركز تشغيلي للشركة خارج آسيا لا يرتبط بتشغيل خط جوي جديد فحسب بل يعكس رؤية أوسع تستهدف ربط أسواق جنوب شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا عبر المملكة. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على جذب رؤوس الأموال بل تمتد إلى دعم سوق العمل وخلق فرص وظيفية جديدة ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل الدور المتنامي للقطاع كأحد مصادر التوظيف في الاقتصاد الوطني حيث يعمل في أنشطة النقل والخدمات اللوجستية أكثر من 38 ألف عامل وفق أحدث البيانات المتاحة ومع انتقال البحرين تدريجياً نحو استقطاب أنشطة أكثر تخصصاً مثل صيانة الطائرات والخدمات الهندسية والتشغيلية وإدارة سلاسل الإمداد تزداد الحاجة إلى الكفاءات الفنية والتقنية المؤهلة ما يسهم في خلق وظائف ذات قيمة مضافة أعلى مقارنة بالأنشطة التقليدية إلى جانب تعزيز فرص التدريب ونقل المعرفة وتطوير المهارات الوطنية. ومن الناحية الاقتصادية تتجاوز أهمية هذه المشاريع أثرها المباشر على الاستثمار والتوظيف لتشمل تعزيز الصادرات الخدمية التي تعد من أسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد العالمي وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة في ظل النمو المتسارع للصادرات الخدمية في البحرين حيث بلغت قيمة صافي الصادرات الخدمية نحو 2.15 مليار دينار بحريني خلال العام 2025 محققة نمواً سنوياً بلغ 23.1 % ويعكس هذا الأداء تنامي أهمية الأنشطة الخدمية في الاقتصاد الوطني ويبرز الإمكانات التي تمتلكها قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية للمساهمة بصورة أكبر في تعزيز الصادرات الخدمية مستقبلاً. وتحمل هذه التطورات دلالات اقتصادية مهمة إذ تشير إلى تحول تدريجي في دور البحرين من محطة لعبور البضائع والمسافرين إلى مركز يقدم خدمات جوية ولوجستية متخصصة ذات قيمة مضافة مرتفعة وفي ظل النمو المتواصل للتجارة العالمية وتزايد الطلب على الخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد قد يشكل هذا التحول أحد المسارات القادرة على تعزيز مساهمة القطاع في النمو غير النفطي عبر استقطاب استثمارات نوعية وزيادة الصادرات الخدمية وخلق وظائف عالية المهارة. الخدمات اللوجستية الرهان الاقتصادي الثالث للبحرين على مدى عقود ارتكز الاقتصاد البحريني على قطاعين رئيسيين شكلا محركات النمو والاستثمار هما النفط والخدمات المالية إلا أن التطورات التي شهدها قطاع النقل والخدمات اللوجستية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى بروز ركيزة اقتصادية ثالثة تزداد أهميتها بصورة متسارعة في دعم النمو غير النفطي وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. فالنمو المتواصل في حركة الشحن الجوي والبحري وتطور البنية التحتية، والتقدم في مؤشرات الأداء اللوجستي واستقطاب استثمارات نوعية من شركات عالمية كلها مؤشرات تعكس أن القطاع تجاوز مرحلة تقديم الخدمات المساندة ليصبح جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع ترتبط بالتجارة والاستثمار والصادرات الخدمية وسوق العمل. غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة المملكة على مواصلة تطوير الكفاءات الوطنية واستقطاب الاستثمارات عالية القيمة، وتعزيز التكامل بين الموانئ والمطارات والخدمات الرقمية بما يضمن الانتقال من المنافسة على حركة التجارة إلى المنافسة على القيمة الاقتصادية المتولدة منها. وفي هذا الإطار لا تمثل مشاركة البحرين في معرض برلين للطيران 2026 مجرد حضور في حدث دولي متخصص بل تعكس توجهاً اقتصادياً أوسع يستهدف ترسيخ موقع المملكة ضمن سلاسل الإمداد العالمية واستقطاب أنشطة أكثر تقدماً في مجالات الطيران والخدمات اللوجستية ومع تسارع التحولات في الاقتصاد العالمي قد يصبح نجاح هذا الرهان أحد العوامل الرئيسة في رسم ملامح النمو الاقتصادي البحريني خلال السنوات المقبلة.