القيثارة.. رحلة الأوتار من حضارات الشرق القديم إلى المسارح العالمية
| سيلفيا سعد
تُعد آلة القيثارة ( الهارب ) واحدة من أقدم الآلات الموسيقية الوترية التي عرفتها الإنسانية، وتمثل شاهداً حياً على تطور الفكر الموسيقي عبر آلاف السنين. فقبل أن تصبح جزءاً أساسياً من الأوركسترا السيمفونية الحديثة، كانت أوتارها تصدح في المعابد والقصور الملكية لحضارات الشرق القديم، حاملةً معها ذاكرة الإنسان الأولى في التعبير الموسيقي. تشير الدراسات الأثرية إلى أن البدايات الأولى للهارب تعود إلى حضارات بلاد الرافدين، حيث عُثر في مدينة أور السومرية على نماذج لآلات وترية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد وثّق الباحث ريتشارد دمبريل في كتابه "علم آثار الموسيقى في الشرق الأدنى القديم" وجود أشكال متطورة من الآلات الوترية استخدمت في الطقوس الدينية والاحتفالات الرسمية، ما يدل على المكانة المهمة التي احتلتها الموسيقى في المجتمع السومري والبابلي والآشوري. ومع ازدهار التجارة البحرية بين بلاد الرافدين وحضارة دلمون، التي قامت في أرض البحرين الحالية ومحيطها الخليجي، انتقلت التأثيرات الثقافية والفنية بين الحضارات. ورغم محدودية الأدلة الأثرية المباشرة المتعلقة بآلة الهارب في دلمون، فإن الباحث جيفري بيبي في كتابه "البحث عن دلمون" يؤكد أن المملكة كانت مركزاً للتبادل الحضاري بين الشرق والغرب، الأمر الذي يرجح انتقال المعارف الموسيقية والآلات الوترية عبر طرق التجارة القديمة. وفي مصر القديمة بلغت آلة الهارب مرحلة جديدة من التطور. فقد ظهرت بأحجام وأشكال متعددة على جدران المعابد والمقابر الفرعونية علي شكل قوس (آلة رمي السهم ) ، ثم أصبحت جزءاً من الحياة الدينية والاجتماعية. ويشير عالم الموسيقى كيرت زاكس في كتابه "تاريخ الآلات الموسيقية" إلى أن المصريين القدماء طوروا الهارب من شكله المقوس البسيط إلى نماذج أكبر وأكثر تعقيداً، بعضها احتوى على عدد كبير من الأوتار مكّن العازفين من إنتاج نطاقات صوتية أوسع. ومع انتقال الإرث الموسيقي القديم إلى الحضارات الإغريقية والرومانية ثم إلى أوروبا في العصور الوسطى، اكتسبت آلة الهارب مكانة خاصة في الثقافات الكلتية، ولا سيما في أيرلندا واسكتلندا وويلز. وأصبحت رمزاً للشعر والملاحم الشعبية، قبل أن تشهد تطوراً تقنياً كبيراً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد شكل اختراع نظام الدواسات المزدوجة على يد صانع الآلات الفرنسي سيباستيان إيرارد نقطة تحول رئيسية في تاريخ الآلة، إذ منح العازفين القدرة على تغيير الدرجات الموسيقية أثناء الأداء، وهو الابتكار الذي أسس للهارب الحديث المستخدم في الأوركسترات العالمية اليوم. إن رحلة الهارب عبر الحضارات تكشف أن الموسيقى كانت دائماً لغة مشتركة بين الشعوب. فمن مدن سومر القديمة إلى موانئ دلمون، ومن معابد الفراعنة إلى قاعات الحفلات الأوروبية، ظلت هذه الآلة تحمل في أوتارها قصة التواصل الإنساني والإبداع الحضاري، مؤكدة أن الفن أحد أكثر الجسور قدرة على عبور الزمن والجغرافيا. *عازفة القيثارة البحرينية