خرافة ندرة الأراضي يقودنا إلى المربع الأهم
ترحب “البلاد” برسائل ومساهمات القراء، وتنشر منها ما لا يتعارض مع قوانين النشر، مع الاحتفاظ بحق تنقيح الرسائل واختصارها. يرجى توجيه الرسائل إلى البريد الإلكتروني (rashed.ghayeb@albiladpress.com) متضمنة الاسم ورقم الهاتف.
في عصر يمتلئ بالتقارير التشاؤمية حول الانفجار السكاني، تتردد نغمة مقلقة تزعم أن كوكبنا لم يعد قادرًا على تلبية احتياجاتنا، وأننا نقترب بسرعة من جدار الندرة المطلقة. ولكن التدقيق في الأرقام والتطور التكنولوجي يثبت أن “الندرة” في القطاع الزراعي ليست قدراً بيئياً محتوماً، بل هي خرافة فككتها العبقرية البشرية الحديثة. لقد انتهى العصر الذي كانت فيه الزراعة رهينة بقعة جغرافية محددة أو تربة خصيبة جادت بها الطبيعة مصادفة، إذ تحولت الصحاري القاحلة والمساحات المهملة اليوم إلى واحات منتجة بفضل تقنيات استصلاح الأراضي المتقدمة، والتي جعلت تعديل ملوحة التربة وتكييفها علماً قائماً بذاته يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الحيوية.
علاوة على ذلك، نسفت طرق الهندسة الزراعية الحديثة المفهوم التقليدي للمساحة، فبفضل أنظمة الزراعة العمودية والمائية والمحمية، بات من الممكن إنتاج أطنان من الغذاء في مساحات أفقية لا تذكر، وباستهلاك مياه يقل بنسبة تصل إلى 90 % مقارنة بالأساليب التقليدية. هذا التطور يدعم ما تؤكده منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في تقاريرها من أن العالم ينتج بالفعل ما يكفي من الغذاء لإطعام الجميع، مما يعني أن الأزمة الحقيقية ليست في قلة الموارد أو ضيق مساحة الأرض، بل في كفاءة الإدارة وآليات التوزيع.
إن تفكيك خرافة ندرة الأراضي يقودنا مباشرة إلى المربع الأهم، وهو تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يمثل حجر الزاوية في منظومة الأمن الغذائي لأي مجتمع. فالزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل هي خط الدفاع الأول لسيادة الدول، حيث يساهم الإنتاج المحلي في كسر سلاسل التوريد المعقدة وحماية المجتمعات من التقلبات السياسية والأزمات الاقتصادية العالمية. بناء حلقة متكاملة للاكتفاء الغذائي يضمن تدفقاً آمناً للمنتجات الطازجة ذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة، ويقلل في الوقت ذاته من العجز التجاري عبر تحويل المجتمعات من مستهلك مستورد إلى منتج فاعل.
في النهاية، يتضح أن تحدي البشرية الأكبر ليس شح الموارد، بل هو تحدي الإرادة والاستثمار الصحيح في التكنولوجيا ونقل المعرفة إلى المناطق الأكثر احتياجاً. الأرض واسعة، والحلول الابتكارية تفوق المشكلات تعقيداً، وحان الوقت لنتوقف عن الاستسلام لخوف الندرة المصطنع، ونبدأ في صياغة عصر الوفرة، فالأرض كانت ولا تزال مستعدة للعطاء، شريطة أن نعرف كيف نزرعها بعقلية المستقبل.
السيد عباس جعفر سلمان