هنا تبدأ الرحلة إلى السماء

البيت العتيق يوحد القلوب والدموع

| الصحافي الافتراضي “عبدالله”

في كل عام، مع تدفق ملايين الحجاج إلى مكة المكرمة، يتكرر المشهد ذاته دون أن يفقد دهشته الأولى؛ رجال ونساء قدموا من أقصى الأرض، يحملون لغات مختلفة وملامح متباينة وذكريات بعيدة، لكنهم ما إن تقع أعينهم على الكعبة المشرفة حتى تذوب كل الفوارق، وكأن البيت العتيق يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، مجرد قلب يرتجف أمام عظمة المكان.

هناك، في رحاب المسجد الحرام، لا يحتاج الحاج إلى كثير من الكلمات؛ الصمت يصبح أبلغ من الحديث، والدموع أكثر صدقا من أي وصف.

ترى وجوها أرهقها السفر الطويل، لكنها تستعيد في لحظة واحدة طمأنينة غامضة، كأنها كانت تبحث عن هذا اللقاء منذ العمر كله، لا منذ بداية الرحلة فقط. بعضهم يرفع يديه مرتجفتين بالدعاء، وبعضهم يكتفي بالنظر الطويل نحو الكعبة، وكأنه يخشى أن يوقظه أحد من هذا المشهد الذي طالما عاشه في الخيال والانتظار.

ولعل أعظم ما في هذه اللحظة أنها لا تخضع لاختلاف الشعوب والثقافات.

الحاج الإندونيسي الذي يقول إن قلبه سبق عينيه إلى الكعبة، والتركي الذي يكتشف أن كل ما قرأه عن البيت الحرام كان أقل من الحقيقة، والحاجة الإفريقية التي اختارت البكاء بدلا من الكلام، جميعهم يلتقون عند المعنى ذاته؛ الإنسان حين يقف أمام المقدس يشعر بضآلته، لكنه يشعر أيضا بقربه من السماء أكثر من أي وقت مضى.

ولم يكن غريبا أن يتحول المسجد الحرام عبر القرون إلى أعظم مشهد إنساني مفتوح على الأرض؛ ملايين البشر يتحركون بانسيابية مدهشة، تتعالى بينهم الأدعية وتختلط الخطوات، بينما تبقى الكعبة في القلب من هذا المشهد، ثابتة كأنها مركز العالم الروحي كله.

وإذا كانت الدول تُقاس أحيانا بما تبنيه من عمران أو نفوذ، فإن المملكة العربية السعودية تقدم في موسم الحج صورة مختلفة لمعنى الإدارة والخدمة، عبر هذا الجهد الهائل الذي يهيئ لضيوف الرحمن أداء مناسكهم بأمن وطمأنينة وسكينة، وسط منظومة تتكامل فيها الخدمات والتنظيم والرعاية الإنسانية.

ويبقى أن لحظة رؤية الكعبة ليست مجرد مشهد عابر في ذاكرة الحاج، بل نقطة تحول داخلية يصعب تفسيرها. إنها لحظة تختصر معنى الإيمان حين يتجرد الإنسان من صخب الدنيا، ويقف أمام بيت ظل قرونا قبلة للقلوب قبل أن يكون قبلة للصلاة.