العدد 6447
الثلاثاء 09 يونيو 2026
القاهرة القديمة.. رحلة في قلب العمارة الإسلامية
السبت 06 سبتمبر 2025

عندما تتجول في شوارع القاهرة القديمة، خاصة في تلك الأحياء في محيط مسجد الإمام الحسين، تشعر وكأنك قد انتقلت إلى لوحة حية من التاريخ. الأزقة الضيقة، الروائح العتيقة المنبعثة من أسواق التوابل، والأصوات المتداخلة بين الباعة والزوار، جميعها تخلق مشهداً لا يتكرر إلا في مدينة تُعرف بلقب "مدينة الألف مئذنة".  

خلال زياراتي المتكررة لهذه المنطقة، كان أكثر ما لفت انتباهي هو روعة العمارة الإسلامية التي لا تزال حاضرة بقوة رغم مرور القرون. تقف مساجد عظيمة مثل الجامع الأزهر وجامع السلطان حسن بشموخ يعود إلى العصور المملوكية والفاطمية، حيث تتسابق المآذن في الارتفاع وتحدثنا القباب المزخرفة عن عبقرية البنائين.  

لم تقتصر العمارة الإسلامية على المساجد فقط، بل امتدت لتشمل الوكالات والخانات التي لعبت دورًا مهمًا في الحياة التجارية. في وكالة الغوري، شعرت بجمال التصميم العمراني الذي جمع بين الوظيفة الاقتصادية وروعة الزخرفة الحجرية والخشبية. أما خان الخليلي، فلا يزال حتى اليوم ينبض بالحياة التجارية، حيث يلتقي الزوار بمجموعة من التحف اليدوية والمصوغات الفضية والمشربيات التي تعلو المباني المطلة حيث تعكس دقة الصناعة المصرية القديمة.  

أما المنازل التقليدية مثل بيت السحيمي وبيت زينب خاتون، فهي شاهد على أسلوب الحياة في القاهرة القديمة، حيث تمنح المشربيات الخشبية الخصوصية والظل بينما يضمن الفناء الداخلي التهوية الطبيعية، مما يُظهر توازنًا رائعًا بين الجمال والوظيفة.

ما يثير الاهتمام هو أن هذه العناصر المعمارية تجد صداها أيضًا في عمارة الخليج العربي فالفناء الداخلي والمشربيات الخشبية يتقاطعان مع ملاقف الهواء والتي نطلق عليها (البادكير) والأفنية الداخلية في بيوت البحرين وقطر والكويت. بينما كانت القاهرة تستخدم الحجر الجيري المزخرف، اعتمدت عمارة الخليج على أحجار الجص ، مع حلول ذكية للتكيف مع المناخ الحار. هذا التشابه يؤكد أن العمارة الإسلامية، رغم تنوعها الجغرافي، تنبع من رؤية واحدة تهدف إلى تحقيق الراحة والجمال والانسجام مع البيئة.

إن ما يميز القاهرة التاريخية ليس فقط المباني والمعالم التي تحتويها، بل قدرتها على جعلك تعيش لحظة تاريخية كاملة. بينما تمشي بجوار مسجد الحسين أو تتجول في أروقة الأزهر وخان الخليلي، تدرك أن هذه العمارة ليست مجرد أحجار صماء وزخارف، بل هي ذاكرة حضارية تحمل روح مدينة لا تزال تتنفس تاريخها كل يوم.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية