العدد 5105
الخميس 06 أكتوبر 2022
نوح الجيده
استقلال والرحلة
الثلاثاء 09 أغسطس 2022

قبل ستّة أعوام، كنتُ واقفًا خلف الكواليس أرتجف ببذلة سوداء ارستقراطية في نهائيات المسابقة الجامعية "لايڤ" مستعدًا لصعود خشبة المسرح التي ينتظر المتسابق فيها حدثًا تمثيليًّا مفاجئًا للتعليق عليه ارتجالًا في تحدٍّ يختبر مهارات الإلقاء أمام الجماهير.

أذكر عندما جاء دوري دفعني المنظّم للدخول، فإذا بي أتصنّعُ ثقةً تعينني على رهبة الموقف، فخلطت الحابل بالنابل، محاولًا لملمة الكلمات التي خذلّتني كثيرًا ذلك اليوم، أستطيع القول بعد كلّ هذه السنين أنّه كان عرضًا فاشلًا سقطتُ فيه باستحقاقٍ وجدارة.

بدأت لجنّة التحكيم تقييم العرض، لم يجد اثنان منهم شيئًا ليمدحوه، فأجهزوا عليّ بسهامهم أمام كلّ هذه الجماهير الغفيرة، وأنا ابن جيلي؛ لا أتقبّل النقد بسهولة، مما جعلني ضحيةً تتآكل من الداخل مع كلّ كلمةٍ تصيبني في مقتلٍ ما، إلى أن أنقذتني في ذلك اليوم الإعلامية القديرة استقلال أحمد.

على الرغم أنّها لا تعرفني أبدًا، بدأت أم زيد مداخلتها بالتأكيد على إيمانها أنّ مستوى العرض لم يكن هو مستواي الحقيقي، وأن تقييمها لن ينصنفني من خلال مسابقة من هذا النوع، وقد كانت ترى في عينيّ وصوتي وحماستي ولغتي وكلّ العوامل التي استخدمتها على سوء توظيفها شيئًا يستحقّ الاهتمام.

كنتُ أسمع كلامها بعيونٍ لامعةٍ تتّسع مع كلّ رحمةٍ تحملها في نقدها، فقد كانت ترى في هذا الصغير المندفع إلى الحياة أملًا لا تودُّ أن يموت من التجربة الأولى، مع علمها أنّ القسوة التي استخدمها زملاؤها قد تربّي المرء فعلًا، ولكنّها قد تحطّم أحلامه أيضًا، فاختارت بحكمةٍ البناء لا الهدم. 

ولا أقول أنّ الآخرين كانوا مخطئين، فلا ينبغي أن نصرف أنظارنا عن الحقيقة حبًّا في المجاملة، كلّ ما أريد قوله أن استقلال بهذه الروح استطاعت أن تفتح أقفال قلبٍ لا ينسى فضلها أبدًا، وجرّب سحر كلماتها الذي لا ينكره من يستمع إلى صباح الخير يا بحرين.

"أظنّ أنّ الرحلة انتهت، لكنّ الحديث لم ينتهِ بعد" بهذه الكلمة تعلن استقلال أحمد انتهاء سبعةٍ وثلاثين عامًا خلف المايكرفون تمسح آلام الناس وتحيي آمالهم.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .