العدد 4726
الأربعاء 22 سبتمبر 2021
توفيق السباعي
التنمر الوظيفي .. السلوك العدواني !
الأربعاء 30 يونيو 2021

استكمالاً لما تم طرحه سابقاً عن بعض السلوكيات والممارسات الشائعة في بيئات العمل والتي أطلقنا عليها الفيلة المدمرة لضخامة الفوضى التي تخلفها، وكيف أنَّ السلوكيات المختلة إذا تُركت بلا قيود، يمكنها أن تعطل إنتاجية المؤسسة وتقوّض الابتكار فيها وتقلل الروح المعنوية لدى أفرادها، وأنّ بيئات العمل التي تفتقد لعوامل إنسانية هامة تؤدي إلى نتائج وخيمة أولها غياب «الأمان الوظيفي»، وثانيها «كره العمل»، وثالثها «الفشل» بسبب تضاؤل الدافعية نحو الإنجاز.
كثيراً ما نسمع عن ظاهرة التنمر التي يغلب وقوعها في التجمعات التي يتواجد بها المراهقون والأطفال، ويقل الحديث عن تنمرٍ من نوعٍ آخر يتجنب الكثير طرحه ولكنه موجود، وقد يحدث يومياً في بيئة العمل من قبل بعض الأشخاص الذين يمتلكون شخصيات ضعيفة غير متزنة ويعشقون فرض الهيمنة، وتقديم مصالحهم الشخصية الضيقة على مصلحة المؤسسة التي يخدمون فيها، حيث وجدت الدراسات الحديثة أن نسبة انتشار ظاهرة التنمر الوظيفي تتراوح ما بين 15% إلى 19%، وكان نصيب الذكور المتنمرين 70% منهم 61% يشغلون مناصب إدارية، بينما تشكل نسبة الموظفات 60% بين ضحايا التنمر.
ظهر مصطلح التنمر الوظيفي لأول مرة عام 1992م في كتاب بعنوان "التنمر في العمل" للكاتب أندريا أدامز، أي أنه مصطلحٌ قديم وليس مستحدث كما يدعي البعض، ويُعرف التنمّر الوظيفي (Workplace bullying) بأنه ميل أفراد أو جماعات في العمل لاستخدام سلوك عدواني بشكل مستمر ضد زملاء لهم أو أفراداً تحت سُلطتهم، حيث يعد هذا السلوك من الصفات السلبية التي تنبع عن مشاكل نفسية لدى المتنمر - سواء كان بمنصبٍ إداري أو غيره - والتي من أهم مظاهرها عدم الثقة بالآخرين وحب التسلط والسيطرة وتضخيم (الأنا) والذات، كما أن التنمر الوظيفي لا يحقق التوازن في بيئات العمل فهو يتسبب بالاندفاعية العالية والهياج والميل لتعنيف السلوك المهني والعلاقات.
والقصص التي تروى في بعض بيئات العمل الحاضنة لحالات التنمر تأخذ أشكالاً عديدة وتختلف من بيئة عمل إلى أخرى، وبحسب شخصية الفرد ومستواه الوظيفي؛ فـقد يتعرض المتنمر عليه لمضايقات عدة منها: التمييز على أُسسٍ شخصية غيـر مهْنية لا تتعلّق بالعمل والكفاءة، والتعمد لتشويه وتقويض إنجازاته، وتوجيه الانتقادات غير المبررة والمستمرة له مع تقليل قدره، أو إشاعة النميمة والشائعات حوله وتحريض الآخرين عليه، أو الإهمال والتهميش والتجاهل المتعمد تجاهه، أو حرمانه من المشاركة في قراراتٍ تخصُّ تفاصيل عمله والمُماطلة في تسليم حقوقه المُستحقّة وغيرها من الفنون التي يجيدها بعض أصحاب هذا السلوك العدواني، فتارةً يكون هذا السلوك أكثر وضوحاً بمجرد تحديد نمطه، وتارةً أخرى يأخذ أشكالاً خفية كالمحاسبة عن أي أعمال يقوم بها الموظف من دون مراعاة الظروف (المصطنعة).
لهذا نجد أن هذه الظاهرة منتشرة بصورة بارزة في تلك البيئات التي تغيب عنها المراقبة الفعلية العادلة، وفقدان الشخصية المتزنة الحازمة، التي تراعي الحقوق المهنية مع تطبيق اللوائح الوظيفية، ما يجعل تلك البيئات معرضة للصراعات وعدم الاستقرار والتنافس السيئ وضعف الإنتاجية، وكثرة الإشاعات السلبية وفقدان الطاقات البشرية المدربة والمؤهلة، بالإضافة إلى أنّ بيئات العمل الحاضنة للتنمر الوظيفي، تتسم عادةً بمستويات عالية من عدم الأمان والضغط النفسي أو ما يسمى بالاحتراق الوظيفي (Occupational burnout) والذي ينتج عنه اضطرابات نفسية أو شخصية مثل فقدان الرغبة في العمل والحدية والتوتر العالي مما يؤدي إلى انخفاض مستوى الإنتاجية وكثرة الأخطاء فضلاً عن الإرهاق الجسدي والعقلي الناجم عن ضغط العمل.
وهنا يجب التنويه أنّ هناك خطٌ رفيع بين الإدارة القوية والتنمر، فمثلاً التعليقات الموضوعية التي تهدف إلى تقديم ملاحظات بناءة أو توجيه أو نصيحة حول سلوك مرتبط بالعمل أو الإجراء المعقول فيما يتعلق بإدارة وتوجيه العاملين في مكان العمل، هذه الإجراءات لا تعد تنمراً بل تهدف إلى مساعدة الموظف في عمله وتقويمه لا تدميره، كما أنّ الأشخاص ذو الصفات والسلوكيات المتزنة لا تتواجد لديهم نزعة التنمر حيث إن طبيعتهم داعمة ومعززة لروح التعاون بين الأفراد ولا تسمح للتصرفات السلبية بأن تؤثر على بيئة العمل.
ولا يبقى إلا أن نقول: إنّ التنمر الوظيفي ما هو إلا مرضٌ إداري، يتطلب لمنعه من الانتشار تحديد الأسباب التي تساهم وتسمح بحدوثه، فقد أوضحت الدراسات أنّ إقامة ثقافة عمل قوية تكون قيمها راسخة ويشعر فيها الجميع بالترحيب والتقدير، من أهم العناصر للتخلص من التنمر الوظيفي، كما أنه من المهم توعية الأفراد داخل المؤسسة بقيم وأخلاقيات العمل وما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، والتذكير بالأنظمة التي تحكم علاقاتهم؛ فالشعور بالاحترام داخل المؤسسة يثبت صحة السلوكيات بها، وفي المقابل فإن بيئة العمل التي يكثر بها التغيب والتمارض والتهرب من المسئوليات والمهام؛ لن تنجح ولن تجد روح الابتكار والابداع!!

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية