صحيفة" الجمهورية" هي أول صحيفة يومية سياسية يؤسسها ضباط ثورة يوليو المصرية، وكان ذلك في ديسمبر 1953، أي بعد أقل من عامين منذ قيام الثورة،وتمكنت هذه الصحيفة من أن تستكتب على صفحاتها نخبة متميزة من كبار الكتّاب السياسيين والثقافيين والأدباء، وكان طه حسين واحداً من هؤلاء؛ لما وجدته فيه من حماس كبير للثورة وشعاراتها،وظل يكتب فيها مقالات سياسية وأدبية، ونظراً لما حققته الصحيفة من إقبال جماهيري عليها، بفضل النخبة التي استكتبتها وعلى رأسهم العميد، فقد عُيّن الأخير لرئاسة تحريرها عام 1959، واستمر في هذا الموقع حتى 1962، ثم أُبعد حتى من الكتابة فيها 1964.
على أن اسم طه حسين ارتبط اسمه بالجمهورية بمقال شهير نُشر التنويه عنه بتاريخ 7 يونيو 1956 قبل يوم من نشره نفّذ فيه -على سبيل التجريب- جانباً من جوانب ثورته الإصلاحية اللغوية، ويتمثل في تحديد شكل رسم حروف اللغة العربية غير المتناسق مع مخارج وإيقاع نطقها.إذ جاء مانشيت العنوان الرئيسي للتنويه بالمقال في صفحتها الأولى الذي تسيّد حجمه كل عناوين الأخبار الأخرى السياسية وغير السياسية في الصفحة نفسها على هذا النحو:"طه حسين يقوم بانقلاب في حروف الكتابة العربية".
ومن العناوين الفرعية الأقل حجماً للتعبير عن مظاهر الانقلاب:" مصطفا أعطا موسا هاذا الكتاب"..". وفي عدد اليوم التالي نُشر المقال الذي سبقه أيضاً هذا التنويه من قِبل الصحيفة، و كان من ضمن ما جاء فيه :"تنشر الجمهورية هذا المقال كما أراده طه حسين أن ينشر، ومعنى ذلك لا يحتوي على أي خطأ مطبعي، وسنجد كلمة هذا مكتوبة هاذا، وكلمة إلى مكتوبة إلا، وكلمة لكن مكتوبة لاكن، وكلمة على مكتوبة علا، وجميع ما تتطلبه ألفا تكتبه، وأيضاً قد تجد الألف التي لا تنطق في الأفعال المماثلة لفعل كانوا قد حُذفت". أما المقال الذي كتبه العميد وشكل فيه الحروف على ذلك النحو المتقدم ذكره فكان تحت عنوان" خصام في غير موضع" تناول فيه موضوعاً لا علاقة له بشكل كتابة الحروف، بل عن تعليم الدين، واللغة العربية والتاريخ المصري في المدارس الأجنبية حيث لا يخضع في منهاجه كما هو متبع في المناهج التاريخية الوطنية للتعليم الحكومي. وفي ذيل المقال كتب اسمه بهذا الشكل: طاها حسين. على أن المقال لم يتطرق كاتبه في موضوعه بأي شكل من الأشكال إلى انقلابه اللغوي في رسم الحروف والذي جعله وفق ثورته لشكل الكتابة التي يطمح فيها،ولعله أراد من ذلك أن يجعله بالون اختبار بما ستكون عليه ردود فعل اللغويين والأدباء والمثقفين.وبالفعل كانت ردود أفعال هؤلاء غاضبة جداً، بل قل: "ثورة مضادة لثورته"! وكان من أوائل الغاضبين خصمه التقليدي الأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي حذّر بأن انقلاب العميد الكتابي سيضعف لغتنا أمام اللغات الأجنبية، ومن شأنه أن يلقي ببذور الفساد الأولى على كيان هذه اللغة، ووصف في حوار أجراه معه في محمد الفيتوري في صحيفة الجمهورية نفسها بأن ثورة طه حسين ستحدث إشكالات أكثر من التسهيلات التي اقترحها، مختتماً نقده الشديد بأن هدف العميد هو التغيير من أجل التغيير فقط!
وفي حين أيّد الكاتب سامي داود انقلاب العميد تحت عنوان " ثورة طاها" مبرراً تفجيرها أياها على صفحات الجمهورية، إنما فعل ذلك ليأسه من إصلاحها من خلال مجمع اللغة العربية. أما صديقه الأديب الكبير توفيق الحكيم فقد ذهب إلى مدى أبعد من مجرد تأييده،فقد طالب بإلغاء قواعد النحو برمتها والاكتفاء بالتسكين في آخر الكلمات، وكذلك إلغاء حركات الإعراب،وأخذ على ثورة طه حسين بأنها غير راديكالية، ولا تطال جوهر العلة أو المسألة، وهذا ما رفضه العميد ووصفه بالغريب، ودخل الرجلان في معركة جدلية حول رأي كل منهما في علاج المشكلة.أما شاعر الأغاني الجميلة الشهير كامل الشناوي، فهو إذ أيّد انقلاب العميد تنبأ بأن هذا الانقلاب لن ينجح في دفع اللغويين والأدباء وسائر الكتّاب للاقتداء به،والغريب أن شاعر العامية الشهير بيرم التونسي في مقال له تحت عنوان" الموسع والعيسا" هزأ من انقلاب العميد اللغوي ووصفه بموالاة التخريب في بناء الكتابة العربية على شاكلة ما فعله أتاتورك لينتهي الأمر إلى تبني الحروف اللاتينية! والحال لا طه حسين تمكن من فرض إنقلابه ولا هو أستمر فيه طويلا. فما الأسباب التي تكمن وراء ذلك؟