في مقالنا المنشور في" البلاد" بتاريخ 6 نوفمبر الجاري أشدنا ببيان القمة الروحية اللبنانية التي انعقدت منتصف أكتوبر الفائت في ظل أوار وحشية الحرب العدوانية الإسرائيلية، بحضور كل أقطاب ديانات وطوائف لبنان، وذلك لما تميز البيان من روح وطنية عقلانية كان من أبرز تجلياتها اللبنانيين إلى التوحد،
ودعوتها إلى وقف الحرب الإسرائيلية على البلاد ،دون ربطه بشعار "إسناد غزة" الذي خاض به حزب الله مغامرته الحربية،كما تجلت أيضاً في دعوته اللبنانيين إلى إعادة بناء مؤسساتهم الدستورية وانتخاب رئيس الجمهورية، وقلنا في هذا المقال أن هذا البيان العقلاني مالم يترجم إلى حيز الواقع وتستلهمه كل الأحزاب التي تنطق باسم طوائفها،لكن في أعقاب البيان حدث الكثير مما توقعناه، وبرزت الكثير من المواقف التي تثبت إن بيان القمة الروحية في وادٍ ومواقف الأحزاب التي تنطق باسم طوائفها في وادٍ آخر.
ولعل آخر موقف مؤسف جاء معبراً عما يمثل خروجاً على روح بيان القمة الروحية، ما صرّح به سمير جعجع رئيس "حزب القوات اللبنانية" المعروف بتطرفه اليميني، حيث طالب في حوار تلفزيوني أجراه معه مؤخراً ماريو عبود على قناة LBC اللبنانية باقصاء ممثلو الطائفة التي ينتمي إليها حزب الله من جلسة انتخاب رئيس الجمهورية برمتهم.غني عن القول أن تصريحاً متهور كهذا أثار ردود فعل غاضبة ومستنكرة جداً من قِبل شخصيات وجهات سياسية واسعة النطاق في لبنان، وبضمنها شخصيات وجهات تنتمي للطائفة التي اعتاد جعجع أن يتحدث باسمها، وهذه الأصداء في تقديرنا أسعدت جعجع في سريرته.
من حسن الحظ بأن كاتب هذه السطور يتابع-ما استطاع إلى ذلك سبيلا- ما يدلي به جعجع من تصريحات وكلمات،سواء خلال لقاءاته الحزبية الداخلية المعلنة، أو في الحوارات التي تُجرى معه في القنوات الفضائية المختلفة، وقد لاحظنا أن الكثير منها غير ذات بال و لا تصادف ردود فعل من أي جهة سياسية في الداخل، وبالتالي فلربما جعجع أراد من خروجه على المألوف عن كل تصريحاته السابقة إثبات أنه موجود على الساحة السياسية وأنه ذو وزن،غير مبال بموقف القطب الروحي لطائفته وهي صاحبة المبادرة للقمة الروحية.وفي مقاله المنشور يوم أمس في صحيفة الشرق الأوسط السعودية،
كتب رئيس تحريرها غسان شربل: من حسن الحظ أن روح التضامن لم تقتلع من نفوس اللبنانيين رغم تدهور العلاقات بين" الجزر"في إشارة للطوائف، وغالبيتها تعارض شعار حزب الله " وحدة الساحات" بإسناد غزة، "وترى أن عودة السلاح يجب أن يكون بيد "الدولة" وحدها، ومثله قرار الحرب والسلم.. وأن جبهة الإسناد لم تنقذ غزة وقادت لبنان إلى الوضع الحاضر، وأن وحدة الساحات أكبر من قدرة لبنان على الاحتمال، والأمر نفسه بالنسبة إلى الدور الإقليمي لحزب الله".وهذا بالضبط ما نوهنا به في مقال سابق بعيد، إذ قلنا أن النظام اللبناني الذي تمت هندسته غداة الأستقلال لا يصلح تحويله نظاماً ثورياً، سواء كان قومياً أو يسارياً أو إسلاموياً، ومثلما فشل تحالف الأحزاب الوطنية اللبنانية الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية( 1975- 1990) ضد الأحزاب اليمينية المسيحية في مشروع تغيير النظام، فإن هذا هو المآل المحتوم الذي سيسفر عنه مشروع حزب الله،إن لتحويل النظام اللبناني إلى نظام إسلامي على مقاس نظام الملالي، وهو لم يخفِ هذا الهدف في السنوات الأولى من تأسيسه، أو لقيامه بالانفراد بدور "الإسناد" لدور طهران الإقليمي في التدخل في شؤون دول المنطقة الداخلية،ما ينعكس في توتير على علاقات التعايش السلمي والأخوي للبنان مع تلك الدول ويلحق الضرر بمصالح دولها وشعوبها.
ومما لا شك فيه فإن طهران ترمي من توكيل تابعها حزب الله للقيام بهذا الدور الإقليمي،إخلاء ساحتها من المسؤولية لدى احتجاج أي دولة خليجية من قذائف قيادته الصوتية "الثورية الطائشة" والتي اعتادت إطلاقها قيادته السابقة.
وحينما يغدو لبنان وطناً مستقراً بعيداً عن الصراعات الإقليمية والدولية ومحاورها في المنطقة، ويمارس شعبه حقوقه الدستورية والديمقراطية، أياً تكن مثالبها وثغراتها، فإنه بالإمكان تحت مظلة هذه الحقوق تحويل النظام سلمياً إلى أي شكل يتوافق عليه أغلبية اللبنانيين، كما يمكنه من خلال هذه الممارسة، في لبنان آمن ومستقر، تطويرنظامه الديمقراطي نفسه،وكذا التخلص أيضاً من عُرف المحاصصة الطائفية البغيض الذي جلب للبلاد منذ إرسائه كوارث لا تحصى ولا تُعد.