العدد 5877
السبت 16 نوفمبر 2024
الإفلات من العقاب.. إلى متى؟
السبت 16 نوفمبر 2024

مضى أكثر من 13 شهرًا على حرب الإبادة التي يشنّها جيش الاحتلال على سكان قطاع غزة المدنيين العزّل، والتي تبعها بتوسيع عدوانه البري منذ شهر ونيف على لبنان بشكل أكثر وحشية من خلال نسف قرى ومناطق بأكملها وتسويتها بالأرض، واستشهاد الكثير من سكانها جراء ذلك، ومن ثم إجبار سكان الجنوب والضاحية والبقاع وسائر المناطق المستهدفة على النزوح إلى العراء أو في شوارع بيروت والمدن الآمنة نسبيًّا، ومعهم أطفالهم وشيوخهم، في حين أن سكان العالم باتوا أشبه بالجالسين في دار سينما كبرى اتساعها باتساع رقعة المعمورة يتفرجون على فيلم إسرائيلي أميركي طويل تتوفر فيه كل مقومات الإثارة والاستمتاع برؤية مشاهد الدماء وأعمال الإبادة الوحشية التي تطول الشعبين الفلسطيني واللبناني. وبدا واضحًا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو نجح في رهانه إلى حد بعيد على إنهاك العرب والمجتمع الدولي من شتى أشكال احتجاجاتهم ضد المجازر اليومية، ومن ضمنها المسيرات والدعاوى المرفوعة في المحافل الدولية، ومحكمة العدل الدولية خصوصًا التي تم كسبها، وتقارير وكالات الأمم المتحدة المعنية بشؤون الإنسان واللاجئين وجرائم الحرب والإغاثة، وكذلك تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة المنددة بشدة بحرب الإبادة، ومع أن القمة العربية الإسلامية الأخيرة في الرياض طالبت بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، إلا أن نتنياهو بدا غير مكترث بتهديدها، فهو ماض قدمًا في إطالة الحرب لأنه يدرك أنها تطيل وجوده في الحكم، حتى لو جاء ذلك على جثث عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، وهذا ما تفسره بالضبط مواقفه المتعنتة برفض كل تنازلات يقدمها له الطرفان الفلسطيني واللبناني، فكلما أوشك المفاوضون على التوصل مع ممثليه إلى وضع اللمسات الأخيرة لمشروع تسوية، ينقلب فجأةً على عقبيه وينسفها بإضافة شروط جديدة لم تكن موجودة في الأصل؛ بغية عرقلتها وكسب الوقت.

لقد أدرك نتنياهو بدهائه الماكر أنه مادام قد ضمن دعم صديقته العظمى الولايات المتحدة تسليحًا ومالًا وسياسيًّا ووقوفها إلى صفه في تبرير جرائم الإبادة التي يرتكبها جيشه بذريعة “حق الدفاع عن النفس”، ومادام المجتمع الدولي - ومؤسساته - لا يملك أكثر من التنديدات اللفظية، مهما تم تغليظ شدتها، فإن ما من قوة أو منظمة في العالم قادرة على إجباره على وقف حربه الوحشية، ما دامت حكومته قد ضمنت الإفلات من العقاب الذي تنص عليه المواثيق الدولية حال ارتكاب أية دولة مثل تلك الجرائم، وقد طالبت بتطبيقها على إسرائيل منظمات وشخصيات دولية، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما طالبت به - كأضعف الإيمان - فرانشيسكا ألبانيز مقررة الأمم المتحدة لشؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة بتعليق عضويتها في الأمم المتحدة، وهو ما طالبت به قمة الرياض الأخيرة.

ولعلّ ما يلحق الضرر بسمعة البشرية الإنسانية المتحضرة هو أن يستسلم ذوو الضمائر الحية دون تطوير وتكثيف أشكال احتجاجاتهم، ومن ثم تغدو هذه المجازر البشعة التي يرتكبها جيش الاحتلال يوميًّا بمثابة روتين اعتيادي يومي كحوادث الطرقات، أما ذوو الصمت أو المنحازون والداعمون للطرف المجرم الباغي، فإن العار سيظل يلطخ سمعتهم وسجلهم الأسود في صفحات التاريخ التي لن تمحى إلى أبد الآبدين على مدى آلاف السنين، مثلهم في ذلك مثل كل حكام الدول والممالك الفاشية القديمة، وهم صنف بشري خارج الحضارة البشرية، ومثلهم أيضًا فاشيو عصرنا، فمهما تشدقوا تباهيًا بالتحضر والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأيًّا تكن ما حققته بلدانهم من قفزات في الإنجازات العلمية والتكنولوجية. وإذا كان المجتمع الدولي ومحكمة العدل الدولية قد توافقا بأن ما ترتكبه إسرائيل في غزة يرقى إلى جريمة “الإبادة الجماعية” بحق شعب، فإن أبسط ما توصف به الدولة التي تمارسه، مرتكبة هذا الفعل الإرهابي، هو أنه “إرهاب دولة”، ومن نافلة القول إن “إرهاب الدولة” أشد خطورةً من إرهاب “الجماعات المسلحة”، وخاصة إذا ما كانت عضوًا في الأمم المتحدة وصدّقت على أهم المواثيق والعهود الدولية. ومن هنا فإنه ينبغي أن تتحول المطالبات العربية والدولية بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة إلى برنامج عمل مشترك جماعي ذي آليات واضحة محددة تتيح تلبية هذه المطالبات من خلال الضغط الجماعي للحيلولة دون تلويح الولايات المتحدة بالفيتو في مجلس الأمن لإحباط القرار الخاص بهذا الشأن، أو على الأقل أن تثمر جهودهم عوضًا عن إحباط القرار، بعرضه على الجمعية العامة لتصدر إدانة مشددة لإسرائيل على ارتكابها جريمة حرب الإبادة بحق الشعب الفلسطيني ويوصي بتعليق عضويتها.

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية