في مثل هذه الأيام الخريفية من أواخر أكتوبر وأوائل نوفمبر تمر ذكرى العدوان الثلاثي على مصر 1956 الذي شاركت فيه كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ورغم عدم جاهزيتها العسكرية إلا أن مصر تمكنت لأسباب سياسية دولية من إفشال العدوان، وكان لتماسك جبهتها الداخلية أيضاً كما تمثل في وقوفها صفاً واحداً-شعباً وقوى سياسية ومدنية- خلف الرئيس جمال عبدالناصر دور في صنع ذلك " النصر السياسي"،فضلاً عن دور التضامن الشعبي العربي الفعّال معها، وغني عن القول أن عبد الناصر خرج من تلك الحرب مكللاً بغار الزعامة العربية القومية بلا منازع. و ارتبطت شهرة مدينة بور سعيد التاريخية بذلك العدوان الثلاثي حيث جسدت المقاومة الباسلة ضد الغزاة، كما أبلت النخبة المثقفة، من كتّاب وأدباء وشعراء وفنانين، بلاءً وطنياً عظيماً في هذه المعركة.ولعل فنان الكاريكاتير الشهير جورج بهجوري(93 عاماً) هو من أشهر رسامي الكاريكاتير الذين ساهمت رسوماتهم طوال معركة بور سعيد في تقوية الروح المعنوية للمقاومة ولأهالي المدينة والشعب.
وعلى هامش حضوري معرض القاهرة الدولي للكتاب في شتاء العام الماضي 2023، حضرت بمعية صديقي الإعلامي المصري منصور الهواري حفلاً في المركز الثقافي الروسي بالدقي (المركز الثقافي السوفييتي سابقاً) لتكريم هذا الفنان الكبير، وقد نظمته مؤسسة عبد الله الصاوي المهتمة بجمع واحياء فن الكاريكاتير المصري،وكان رئيس المؤسسة الصاوي قد عثر على كتاب رسومات بهجوري عن معركة بور سعيد بالصدفة في أروقة دار الكتب المصرية، و كان قد أوشك أن يفقد الأمل في الحصول عليه بعد أن ظل يبحث عنه طوال خمس سنوات، سيما وقد مضى ما يقرب 70 عاماً على صدور الطبعة الأولى في 1957، فأصدره في طبعة ثانية 2022، وقد أحضر نسخاً منها للبيع، وقد أبتعت نسخة منها.
وأنت تتصفح هذا الكتاب يأسرك هذا الفنان المبدع برسوماته البسيطة المعبرة أصدق تعبير عن وجدانه الوطني، ووجدان كل المصريين والعرب في التضامن مع المقاومة البورسعيدية أثناء العدوان، وكان عمر بهجوري حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين. ويمكننا القول أن صفحات تلك الرسومات الكاريكاتيرية لبهجوري إنما تؤرخ لملاحم المقاومة المجيدة يوماً لأهالي المدينة يوماً إثر يوم طوال العدوان. فإذا كان تعليقه تحت أول رسم"بور سعيد فدت مصر والعروبة"، فإن آخر رسم بلا تعليق جعله يرمز لفشل البوارج الإنجليزية التي حشدتها بريطانيا للعدوان. وبعد انتهاء الحفل كنت ضمن المتقدمين لفناننا الكبير ليوقع لي على نسخة كراس رسوماته،وقد سرر كثيراً بعد ما عرّفته على نفسي كبحريني،مذكراً إياه برسوماته التي كنت أتابعها في بعض الصحافة المصرية أوائل السبعينيات ثم خلال الثمانينيات في مجلة "الوطن العربي" الباريسية، أن تكرم مشكوراً في بادرة منه بالتوقيع على نسختي، وبجانب التوقيع أهداني بريشته رسمة كاريكاتيرية خاطفة لوجه كاتب هذه السطور.