+A
A-

حرب الرقائق.. أميركا تدخل تقنية GAA إلى حلبة الصراع مع الصين

تواصل الولايات المتحدة الأميركية سباقها مع الزمن، للقضاء على أي احتمال، يتيح للصين تحقيق تقدم في صناعة الرقائق الإلكترونية المتطورة. فبعد قرابة العامين على بدء واشنطن سياسة فرض القيود المرهقة، التي تهدف إلى شل قدرات بكين في عالم إنتاج الرقائق، تدرس إدارة الرئيس بايدن حالياً فرض المزيد من القيود القاسية التي تستهدف منع الصين من الحصول على تقنيات جديدة، مرتبطة بصناعة الرقائق.

وبحسب تقرير أعدته بلومبرغ واطلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن الإدارة الأميركية تستعجل إصدار قيود جديدة، تمنع بموجبها الصين من استخدام تقنية gate-all-around أو GAA-FET لتصنيع الرقائق اللازمة للذكاء الاصطناعي، وهي تقنية حديثة تعد بجعل صناعة أشباه الموصلات أكثر قوة مما هي حالياً، حيث تسعى واشنطن لإصدار هذه القيود، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في شهر نوفمبر 2024.

تطويق الصين

ووفقاً للأشخاص الذين تحدثوا لبلومبرغ شرط عدم الكشف عن هويتهم نظراً لحساسية الموضوع، فإنه من غير الواضح بعد متى ستتخذ الإدارة الأميركية قرارها، بشأن القيود الجديدة، مشيرين إلى أن الهدف من هذه الخطوة، هو تطويق الصين ومنعها من الحصول على تكنولوجيا GAA-FET التي لا تزال تقنية ناشئة وتحتاج للتسويق تجارياً، ما يحد من قدرة بكين على بناء أنظمة الحوسبة المتطورة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

وتقول المصادر إن مكتب الصناعة والأمن الأميركي، أرسل مؤخراً مسودة قرار بشأن القيود الجديدة على تقنية GAA-FET إلى اللجنة الاستشارية الفنية، وذلك لتقديم ملاحظاتها على المعايير المستحدثة، وهي خطوة أخيرة قبل إطلاق المسار الرسمي للقيود الجديدة، ولكن المسؤولين في اللجنة انتقدوا ما تضمنته المسودة، معتبرين أنها فضفاضة للغاية، حيث من غير الواضح، ما إذا كانت تهدف إلى منع الصين من تطوير رقائق GAA-FET خاصة بها، أو أنها تهدف إلى منع صانعي الرقائق الأميركيين من بيع منتجات تم صنعها بتقنية GAA-FET للعملاء الصينيين.

وتأمل شركات مثلNvidia  وIntel وAMD جنباً إلى جنب، مع شركاء التصنيع مثل TSMC و Samsungببدء إنتاج كميات كبيرة من الرقائق، بتصميم GAA خلال العام المقبل، حيث كان من المتوقع أن تكون الصين أحد أبرز المشترين لهذه الرقائق، وهذا ما يفسر تراجع أسهم  Nvidia وAMD وIntel بعد أن نشرت بلومبرغ تقريرها حول رقائق GAA، لتعود الأسهم إلى مسارها الصعودي بعد استيعاب السوق للقرار الأميركي المحتمل.

وبحسب تقرير بلومبرغ الذي أطلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" فإن الولايات المتحدة قد فرضت سابقاً العديد من القيود، على بيع الرقائق المتقدمة وأدوات تصنيعها للصين، إذ قالت وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو مراراً وتكراراً، إن بلادها قد تضيف قيوداً جديدة حسب الحاجة لإبقاء تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بعيداً عن أيدي بكين، بسبب مخاوف من أن تعطي هذه التكنولوجيا ميزة للجيش الصيني، في حين يترقب حلفاء واشنطن ما ستتخذه الأخيرة من قرارات جديدة بهذا الشأن لتطبيقها أيضاً.


صراع السيطرة على الرقائق

ويقول الكاتب والمحلل المختص بالذكاء الاصطناعي ألان القارح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن صراع الرقائق بين الولايات المتحدة والصين، بات يمثل جزءاً مهماً من التوترات التجارية والجيوسياسية بين البلدين في السنوات الأخيرة، إذ تسعى كل من واشنطن وبكين إلى تحقيق السيطرة على هذه الصناعة، نظراً لدورها الأساسي في تفعيل عمل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فالرقائق المتطورة تتميز بقدرتها على معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة فائقة، ومن ثم اتخاذ القرارات بناءً على هذه البيانات بطريقة ذكية، وهذا ما يجعلها أحد العناصر الرئيسية في تطوير التقنيات والصناعات في عصرنا الحالي والمستقبلي.

ما هي تقنية GAA-FET؟ 

ويشرح القارح أن معظم الرقائق الموجودة في السوق حالياً، يتم تصنيعها وفقاً لتقنية Fin-FET القديمة، في حين أن تقنية GAA-FET الجديدة ستنقل صناعة الرقائق الإلكترونية من المرحلة الكلاسيكية الحالية، الى مرحلة أكثر تطوراً، فتقنية GAA-FET ستسمح بإنتاج رقائق أصغر بنسبة 40 بالمئة عن الرقائق الحالية، وبأداء أكبر بنسبة 30 بالمئة، ومن المعلوم أنه كلما كان حجم الرقاقة الإلكترونية أصغر حجماً، كلما أصبحت عملية دمجها في مجموعة متنوعة من الأجهزة أسهل، وهذا تقدم ممتاز بالنسبة للكثير من الصناعات، مشيراً أيضاً إلى أن تقنية GAA-FET ستجعل الرقائق الإلكترونية، أكثر قدرة على تحمل الطاقة الكهربائية، ولذلك فإن الأجهزة الإلكترونية التي تستخدم شريحة تعتمد على تقنية GAA-FET ستكون أسرع، وتستهلك طاقة أقل من الرقائق المصنعة باستخدام تقنية Fin-FET، ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يدفع أميركا للتفكير مبكراً بحجب هذه التقنية عن الصين، نظراً لأنها ستمنح المنتجات الأميركية ميزة تفضيلية.

ويكشف القارح أنه حالياً لا يوجد إنتاج تجاري كبير للرقائق، التي يتم تصنيعها عبر تقنية Gate-All-Around  أو GAA-FET فهناك شركات مثل سامسونج نحجت بالفعل في صيف 2022 بطرح هذه التقنية على الصعيد التجاري، ولكن بحجم إنتاج قليل، في حين يوجد عدد آخر من الشركات التي تعمل على تطوير واختبار هذه التقنية في المرافق البحثية، وذلك لتخطي بعض العيوب التي لا تزال تواجهها، مؤكداً أن تقنية GAA-FET ستكون جزءاً أساسياً من الجيل القادم من الرقائق الإلكترونية، فهذه التقنية ستحقق استخداما تجارياً واسع النطاق، في صناعة أشباه الموصلات بمرور الوقت، وهو ما سينعكس تطوراً كبيراً في أداء الكثير من المنتجات الإلكترونية.

أسباب القرار الأميركي المحتمل

من جهته يقول مهندس الاتصالات عيسى سعد الدين، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن القرار الجديد الذي تتحضر لاتخاذه الإدارة الأميركية، بمنع وصول تقنية GAA-FET إلى الصين، يأتي ضمن الجهود الأميركية المستمرة منذ سنوات لقتل صناعة الرقائق الصينية، وبذلك تتمكن الولايات المتحدة من المحافظة على تقدمها الاستراتيجي في هذه الصناعة، ما يضمن تفوقها في المجال العسكري والأمني والاقتصادي، مؤكداً أن من يتحكم بتصنيع الرقائق الإلكترونية المتطورة في القرن الـ 21، هو كمن كان يتحكم بإمدادات النفط في القرن الـ 20، ومن هنا يمكن فهم سبب إصرار واشنطن، على عدم السماح للصين بالتقدم في هذه الصناعة، خصوصاً بعد ظهور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تعتمد بشكل كبير على الرقائق الإلكترونية المتطورة.

ويضيف سعد الدين إن إصرار واشنطن على إقرار قيود جديدة، على تقنية GAA-FET قبل موعد إجراء انتخابات الرئاسية الأميركية بعد نحو 5 أشهر من الآن، قد يكون مرتبطاً بالتنافس الانتخابي، فإدارة الرئيس بايدن تريد إظهار أنها لا تتهاون ابداً بالأمور التي تتعلق بالأمن القومي الأميركي في مواجهة الصين، في حين لا يتوانى الرئيس السابق دونالد ترامب في التأكيد أمام الناخبين على أنه الوحيد الذي أدرك ونجح، في مواجهة التهديدات التي تشكلها الصين لبلاده، لافتاً إلى أن تقنية GAA-FET لا تزال تشق طريقها الى الأسواق، وقد يكون من المبكر الحديث عن تحقيق أي تقدم صيني في هذا المجال، علماً أن بعض القيود السابقة التي فرضتها أميركا على الصين، لحظت بالفعل منع الرقائق التي تعتمد على تقنية GAA-FET من الوصول إلى بكين.

ويرى سعد الدين أن المشكلة التي تواجهها الصين حالياً، ليست بعدم قدرتها على التغلب على القيود التي تفرضها أميركا على صناعة الرقائق، إنما بكثافة هذه القيود وتلاحقها، ففي حين تسابق أميركا الزمن لفرض مزيد من القيود على صناعة الرقائق الصينية، تجد بكين نفسها أيضاً في سباق مع الزمن لإيجاد حلول لهذه القيود، وهذا الأمر مرهق جداً ويحتاج للكثير من الجهود، وبالتالي بدلاً من أن تكون جهود الصين منصبة فقط على تطوير صناعتها الخاصة من الرقائق، سيكون عليها تخصيص الكثير من الجهود، لمواجهة القيود الأميركية التي تؤثر بشكل كبير، على قدرتها في الوصول للكثير من التقنيات المتطورة في صناعة الرقائق.