+A
A-

واقع ومستقبل صناعة الغذاء خليجيا.. منطقة ساخنة تتحصن بمخزون استراتيجي

ليست نقطة آخر السطر، بل هي “أول السطر”، حتمًا بالتأكيد بناء المخزون الغذائي الخليجي الاستراتيجي. إن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تواجه تحديات على صعيد تحقيق الأمن الغذائي المستدام، وهي تحديات “منظورة” إن جاز لنا التعبير، ذلك لأن دول الخليج تدرك أهمية الانتقال إلى صناعة الغذاء كقطاع يتصل بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والسياسية كذلك، وهذا الانتقال، يلزم معه انتقال للتركيز على السياسات العامة التي تضمن الأمن الغذائي من خلال أربعة أبعاد مهمة وهي: التوفر، الوصول، الاستفادة والاستقرار. لذا، طرحنا السؤال الجوهري في هذا الملف: ”ما هو واقع ومستقبل صناعة الغذاء خليجيًا؟”، فيما الإجابة مع سهولتها ليست سهلة!  إن من الأهمية بمكان زيادة الإنتاج المحلي في دول التعاون لتحقيق الاكتفاء الذاتي والحد من الاعتماد على الغذاء المستورد. ووفق بيانات إحصائية صادرة عن وكالة “موردور انتليجنس”، والاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات (GPCA،) فإن نسبة استيراد الأغذية بدول الخليج تضعها في المرتبة 31، وفي المرتبة 30 في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن مجموع تعداد السكان في الدول الخليجية الست يبلغ 57.3 مليون نسمة، وبمعدل نمو سكاني يبلغ 0.8 % حسب المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون العام 2021، ويعمل في قطاع صناعة الأغذية قرابة 13 ألفا من الأيدي العاملة. سنقرأ في الملف وجهات نظر ورؤى أهل الاختصاص فيما يلي من السطور.

 

إبراهيم‭ ‬زينل‭: ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تجاهل‭ ‬عوامل‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭  ‬

بكل‭ ‬وضوح،‭ ‬يصرح‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬مجموعة‭ ‬“ترافكو”‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬والخبير‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الأغذية‭ ‬إبراهيم‭ ‬زينل،‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تجاهل‭ ‬عوامل‭ ‬أساسية‭ ‬ليست‭ ‬متوافرة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كالأراضي‭ ‬الخصبة‭ ‬والمياه‭ ‬والسوق‭ ‬الكبيرة‭ ‬لتسويق‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية،‭ ‬والحال‭ ‬كذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لمحدودية‭ ‬الأراضي‭.‬

ليس‭ ‬لدينا‭ ‬مصادر‭ ‬مياه‭ ‬متجددة‭ ‬وكافية‭ ‬ولا‭ ‬مساحات‭ ‬من‭ ‬الأراضي،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نسعى‭ ‬بتنفيذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬وإذا‭ ‬قلنا‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬مزارع‭ ‬لإنتاج‭ ‬الألبان‭ ‬ولا‭ ‬تربية‭ ‬الأسماك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تحركًا‭ ‬لدعم‭ ‬المخزون‭ ‬السمكي‭ ‬والبحر‭ ‬يحيط‭ ‬بنا،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لتربية‭ ‬الدواجن‭ ‬فليس‭ ‬لدينا‭ ‬إلا‭ ‬شركة‭ ‬وحيدة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭.‬

 

البنية‭ ‬الأساسية

ودعني‭ ‬أقول‭ ‬بأن‭ ‬التوسع‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تستدعي‭ ‬مساحات‭ ‬كبيرة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬كالأراضي‭ ‬وإمدادات‭ ‬المياه‭ ‬والطاقة‭ ‬وهذه‭ ‬من‭ ‬مهمات‭ ‬الدولة‭ ‬لكي‭ ‬توفر‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬وتشجع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬الأساسية‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬توفير‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬فمن‭ ‬الصعب‭ ‬مع‭ ‬العوامل‭ ‬الطبيعية‭ ‬بالمنطقة‭ ‬أن‭ ‬يتوسع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الغذائي‭ ‬خلاف‭ ‬المحاصيل‭ ‬والخضروات‭ ‬وهي‭ ‬أساسية‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬كل‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭.‬

وللتوضيح،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ركائز‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬هو‭ ‬القمح‭ ‬الأرز‭ ‬والزيوت‭ ‬النباتية،‭ ‬وهذه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬صناعتها‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والخليج،‭ ‬وأتذكر‭ ‬قبل‭ ‬30‭ ‬سنة،‭ ‬كانت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬تنتج‭ ‬القمح‭ ‬وكان‭ ‬لديها‭ ‬اكتفاء‭ ‬ذاتي،‭ ‬لكن‭ ‬نتيجة‭ ‬لنقص‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬اضطرت‭ ‬للاستيراد‭ ‬لأن‭ ‬مقومات‭ ‬زراعة‭ ‬القمح‭ ‬ليست‭ ‬موجودة،‭ ‬وهنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬الإمكانيات‭ ‬والقدرات‭ ‬المتوفرة‭ ‬محليًا،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لديها‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭.‬

البحرين‭ ‬بخير

كذلك،‭ ‬أود‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المهمة‭ ‬لصناعة‭ ‬الغذاء‭ ‬وجود‭ ‬طاقة‭ ‬تخزينية‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬ومثال‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬صوامع‭ ‬القمح‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬المطاحن‭ ‬محدودة‭ ‬وتحتاج‭ ‬للتوسع،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬إنتاج‭ ‬استراتيجي،‭ ‬أو‭ ‬طاقة‭ ‬تخزينية‭ ‬كبيرة‭ ‬لتوفير‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لمدة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬سنة‭ ‬تحسبًا‭ ‬لأي‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬أمنية‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الإمداد‭ ‬الغذائي،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بخير،‭ ‬نتيجة‭ ‬تطبيق‭ ‬سياسة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر،‭ ‬وتوفر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬للاستيراد‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬كوفيد‭ ‬19،‭ ‬حيث‭ ‬توقفت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إنتاجًا‭ ‬وتصديرًا،‭ ‬ولم‭ ‬نواجه‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬خصوصًا‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬عمومًا،‭ ‬وهذه‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬وبفضل‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬تسهيلات‭ ‬الاستيراد‭ ‬وتوفر‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬ووجود‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬لتوفير‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم،‭ ‬فعمليات‭ ‬الاستيراد‭ ‬ممتازة،‭ ‬لكن‭ ‬نتكلم‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬وصناعة‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬استثنائية‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬امكانيات‭ ‬الاستيراد‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬متوسطة‭ ‬أو‭ ‬يصاب‭ ‬الإمداد‭ ‬الغذائي‭ ‬بخلل،‭ ‬وهذا‭ ‬يلزم‭ ‬مخزون‭ ‬استراتيجي‭ ‬حتى‭ ‬زوال‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭.‬

 

ناظم‭ ‬الصالح‭: ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬الاستزراع‭ ‬والتغلب‭ ‬على‭ ‬مشكلة‭ ‬ندرة‭ ‬المياه‭ ‬

 

يرى‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬شركة‭ ‬صالح‭ ‬الصالح‭ ‬ومديرها‭ ‬العام‭ ‬ناظم‭ ‬الصالح،‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬يحتل‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬ويلات‭ ‬الحروب‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وتفاقم‭ ‬مشاكل‭ ‬المناخ‭ ‬وإضطرابات‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬والإقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وازدياد‭ ‬إحالات‭ ‬الجوع‭ ‬والفقر‭ ‬وهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬بالنسبة‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يأخذ‭ ‬الصدارة‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬مباحثات‭ ‬وإجتماعات‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭. ‬

 

السودان‭.. ‬كمثال

ويضع‭ ‬الصالح‭ ‬مقترحات‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬صناعة‭ ‬الغذاء،‭ ‬لكنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬كانت‭ ‬تعول‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬السودان‭ ‬ليشكل‭ ‬سلة‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬لما‭ ‬يملكه‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية‭ ‬هائلة‭ ‬كالأراضي‭ ‬والمياه‭ ‬والثروة‭ ‬الحيوانية،‭ ‬وضخت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬لتنمية‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬وتأمين‭ ‬واردات‭ ‬مستقرة‭ ‬من‭ ‬الغذاء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬خيبت‭ ‬الأمال‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭. ‬

ويعدد‭ ‬مقترحاته‭ ‬ومنها‭ ‬الاستفادة‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستزراع‭ ‬الحديث،‭ ‬والتغلب‭ ‬على‭ ‬مشكلة‭ ‬ندرة‭ ‬المياه،‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬توحيد‭ ‬جهود‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬إجراء‭ ‬الدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬والتنسيق‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬لتقليل‭ ‬فجوة‭ ‬الغذاء‭.‬

الجدوى‭ ‬الاقتصادية

ومن‭ ‬المهم‭ ‬تعزيز‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬على‭ ‬المستوردات‭ ‬اللازمة‭ ‬للنشاط‭ ‬الزراعي،‭ ‬وتسهيل‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجمركية‭ ‬لضمان‭ ‬انسيابية‭ ‬السلع‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المشاركة‭ ‬بين‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشكيل‭ ‬شركات‭ ‬مساهمة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬صناعة‭ ‬الغذاء‭ ‬الإحلالية،‭ ‬لكنه‭ ‬يستدرك‭ ‬فيقول‭: ‬”وباختصار‭ ‬شديد‭ ‬وصراحة‭ ‬شديدة‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬صناعة‭ ‬الأغذية‭ ‬فى‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬ولغايات‭ ‬التصدير‭ ‬واعدة‭ ‬بل‭ ‬أرى‭ ‬أنها‭ ‬صناعة‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬الشك‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬بل‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقلص‭ ‬الرقعة‭ ‬الزراعية‭ ‬المتقلصة‭ ‬أصلًا‭! ‬فتنمية‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬الغذائية‭ ‬يتطلب‭ ‬استيراد‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬الكثيرة‭ ‬لتنمية‭ ‬القطاع،‭ ‬والذي‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬كلفة‭ ‬عالية‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬الجدوي‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للصناعة”‭.‬

صناعة‭ ‬إحلالية

وليس‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬القطاع‭ ‬بل‭ ‬العمل‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الموارد‭ ‬المتوفرة،‭ ‬والسعي‭ ‬لخلق‭ ‬صناعة‭ ‬إحلالية‭ ‬تسهم‭ ‬بقدر‭ ‬معقول‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الواردات‭ ‬وبالتالي‭ ‬تقليل‭ ‬فاتورة‭ ‬الاستيراد،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يتأتى‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬الوثيق‭ ‬والبناء‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬وصياغة‭ ‬استراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬لبناء‭ ‬مخزون‭ ‬غذائي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الامن‭ ‬الغذائي‭ ‬لهذه‭ ‬الدول،‭ ‬وبحث‭ ‬إمكانية‭ ‬الشراء‭ ‬المشترك‭ ‬للمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الاساسية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭.‬

فاتورة‭ ‬المستوردات

إن‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬توصف‭ ‬بأنها‭ ‬مجتمعات‭ ‬استهلاكية،‭ ‬ووفقًا‭ ‬للجمعية‭ ‬المدنية‭ ‬لحماية‭ ‬المستهلك‭ ‬الكويتية‭ ‬فإن‭ ‬الأسر‭ ‬الخليجية‭ ‬تتبنى‭ ‬سلوكًا‭ ‬استهلاكيًا‭ ‬باذخًا‭ ‬تتحول‭ ‬فيه‭ ‬الكماليات‭ ‬إلى‭ ‬حاجات‭ ‬ضرورية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حول‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬تهدد‭ ‬التوازنات‭ ‬المالية‭ ‬للأسر،‭ ‬ولمجابهة‭ ‬معدلات‭ ‬الإنفاق‭ ‬العامة،‭ ‬يدعو‭ ‬خبراء‭ ‬إلى‭ ‬تكثيف‭ ‬الوعي‭ ‬بضرورة‭ ‬ترشيد‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬مضامين‭ ‬الادخار‭ ‬والتخطيط‭ ‬المالي‭ ‬وإدارة‭ ‬الميزانية‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬المداخيل‭ ‬السنوية‭ ‬للمواطن‭ ‬الخليجي،‭ ‬وهذ‭ ‬ما‭ ‬سينعكس‭ ‬إيجابيًا‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬فاتورة‭ ‬المستوردات‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

 

مدحت‭ ‬نافع‭: ‬ضمان‭ ‬مصادر‭ ‬غذاء‭ ‬كافية‭ ‬ومأمونة‭ ‬وإمدادات‭ ‬بتكاليف‭ ‬معقولة

يعيد الباحث في مركز المستقبل للدراسات مدحت نافع، التأكيد أن المخاوف من انعدام الأمن الغذائي في العالم قديمة، ويتحقق الأمن الغذائي عندما يُتاح لجميع السكان، في جميع الأوقات، الحصول على مصادر غذاء كافية ومأمونة ومحققة للفوائد الغذائية، ويقوم الأمن الغذائي على أربع ركائز هي توفر الغذاء، والوصول إلى الغذاء، والاستفادة من الغذاء، واستدامة واستقرار مصادره.
85 %... مستورد
ومع ذلك، وفي هذا الإطار، يرى أن دول مجلس التعاون الخليجي من بين الأكثر أمانًا للغذاء، وفقًا لمؤشر الأمن الغذائي العالمي، الذي يأخذ في الاعتبار مدى توافر الإمدادات الغذائية والقدرة على تحمل تكاليفها، وجودتها وسلامتها، ومع ذلك أيضًا، تظل دول الخليج معتمدة بشكل كبير في مصادرها الغذائية على الاستيراد، حيث إنها تستورد حوالي 85 % من غذائها.
منذ القدم، كان إنتاج الغذاء محدودًا في دول الخليج العربية، حيث كانت تعتمد في الغالب على صيد الأسماك والرعي وزراعة التمور وإنتاج الخضروات على نطاق محدود؛ لأنها تقع في واحدة من أكثر المناطق جفافًا في العالم، إذ يُصنف المناخ فيها على أنه صحراوي حار، وفقًا لتصنيف “كوبن” للمناخ، وبالتالي تم تقييد الإنتاج الغذائي المحلي في دول الخليج بسبب الظروف الزراعية والبيئية غير المواتية، مثل ندرة الموارد المائية، وارتفاع درجات الحرارة، وعدم جودة التربة الصالحة للزراعة. 
الأراضي الزراعية
وتشير الدراسات إلى أن نسبة 19.5 % فقط من إجمالي مساحة الأراضي في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، هي أراض زراعية (أي أراضي المحاصيل والمراعي)، و1 % فقط هي أراض صالحة للزراعة (أراضي المحاصيل)، وهي نسبة أقل من المتوسط العالمي البالغ 10.6 %. 
وعلى الرغم من استجابة دول الخليج لأزمة الغذاء العالمية بشكل فاعل في الأجل القصير، فإنها تحتاج إلى استكمال تدخلاتها الفورية بتدابير مُستدامة تهدف إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمدادات الغذائية وحماية الواردات الغذائية من الصدمات المُحتملة في المستقبل، ومن ذلك على سبيل المثال: زيادة الإمدادات الغذائية المحلية حيث يمكن أن يؤدي تنفيذ الممارسات الزراعية الرائدة المُستخدمة بالفعل في أماكن أخرى،إلى زيادة إنتاجية المزارعين بشكل كبير، وتشمل هذه الممارسات، المحاصيل المُعدلة وراثيًا، والزراعة الصحراوية، والزراعة بمياه البحر، والزراعة الحضرية، والزراعة الدقيقة التي تستخدم البيانات والتكنولوجيا لزيادة الغلال. 
قنوات جديدة
والجانب الآخر هو ضمان استقرار الواردات، حيث يمكن لدول الخليج إدخال قنوات استيراد جديدة لجلب الموارد الحيوية إلى سلسلة القيمة الزراعية، وتبسيط إجراءات مراقبة الحدود لإدخال البضائع بشكل أسرع، ومن ذلك، مثلاً، تقليل عمليات التفتيش على الحدود والجمارك للشحن الزراعي، واعتماد الشهادات الإلكترونية للأغذية المستوردة بدلًا من طلب الوثائق المادية.
بالإضافة إلى ما سبق، يمكن للدول التي ليس بها قطاع خاص واعد في مجال صناعة الأغذية، تحقيق تقدم أسرع في هذا المجال، من خلال إنشاء كيان انتقالي شبه حكومي في صورة شركة عامة، وقد طبقت دول في العالم هذا النهج مثل الهند وإندونيسيا والمكسيك وكوريا الجنوبية وتونس.

 

مكرم‭ ‬دباس‭: ‬يمكن‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬صياغة‭ ‬مشروعات‭ ‬مشتركة

رصد‭ ‬خبير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التسويق‭ ‬في‭ ‬دبي‭ ‬بالإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬مكرم‭ ‬دباس،‭ ‬شركات‭ ‬الابتكار‭ ‬العالي‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬منتجات‭ ‬جديدة،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قاعدة‭ ‬لصياغة‭ ‬أهداف‭ ‬للمشروعات‭ ‬المشتركة‭.‬

مزارعون‭ ‬منتجون

في‭ ‬دراسة‭ ‬مع‭ ‬ثلاثة‭ ‬خبراء‭ ‬هم‭: ‬سالم‭ ‬الغزالي،‭ ‬روجر‭ ‬رابات‭ ‬وأحمد‭ ‬مختار،‭ ‬تناولت‭ ‬أسس‭ ‬صناعة‭ ‬الغذاء‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬وزيادة‭ ‬الإمدادات‭ ‬الغذائية‭ ‬المحلية،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الممارسات‭ ‬الزراعية‭ ‬الرائدة‭ ‬المستخدمة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬المزارعين‭ ‬منتجين‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭. ‬

إمدادات‭ ‬مرنة

وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬المحاصيل‭ ‬المعدلة‭ ‬وراثيًا،‭ ‬والزراعة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬والزراعة‭ ‬بمياه‭ ‬البحر،‭ ‬وزراعة‭ ‬المحاصيل‭ ‬في‭ ‬أكوام‭ ‬عمودية،‭ ‬والزراعة‭ ‬الحضرية،‭ ‬والزراعة‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬البيانات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬لزيادة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬تعزيز‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬المنطقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الإمدادات‭ ‬الغذائية‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭.‬

ويمكن‭ ‬لحكومات‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬مساعدة‭ ‬المنتجين‭ ‬والمستهلكين‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المنصات‭ ‬والأسواق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تجميع‭ ‬المعلومات‭ ‬وزيادة‭ ‬وضوحها‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬المشاركين،‭ ‬تساعد‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مخاطر‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد،‭ ‬وتحديد‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬القيمة،‭ ‬وتقليل‭ ‬الهدر،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬يتطلب‭ ‬عمالة‭ ‬أقل،‭ ‬فإن‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬المنصات‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬معدلات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويبني‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬المستقبلية‭.‬

 

مرئيات‭ ‬الأمانة‭ ‬العامة‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون

استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬أعدها‭ ‬مدير‭ ‬إدارة‭ ‬الزراعة‭ ‬والأغذية‭ ‬بالأمانة‭ ‬العامة‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬المهندس‭ ‬حسين‭ ‬آل‭ ‬ابراهيم،‭ ‬هناك‭ ‬مرئيات‭ ‬مدروسة‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المخزون‭ ‬الغذائي‭ ‬الخلیجي‭ ‬الاستراتیجي‭.‬

التنسيق‭ ‬الخليجي

ومن‭ ‬تلك‭ ‬المرئيات،‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬خلیجي‭ ‬موحد‭ ‬لدراسات‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬ومن‭ ‬مهامه‭ ‬التنسیق‭ ‬بین‭ ‬الجھات‭ ‬الخلیجیة‭ ‬المختلفة‭ ‬المعنیة‭ ‬بالأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬وجمع‭ ‬وتحلیل‭ ‬البیانات،‭ ‬ووضع‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتیجیة،‭ ‬وتوحید‭ ‬المنھجیات‭ ‬والمعاییر‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحوث‭ ‬الزراعیة‭ ‬والسمكیة،‭ ‬وتأسیس‭ ‬شركات‭ ‬مساھمة‭ ‬خلیجیة‭ ‬عملاقة‭ ‬بالمشاركة‭ ‬بین‭ ‬القطاعین‭ ‬الحكومي‭ ‬والخاص‭. ‬

ووضعت‭ ‬الدراسة‭ ‬مسارًا‭ ‬يؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬توقیع‭ ‬عقود‭ ‬طویلة‭ ‬الأجل‭ ‬لشراء‭ ‬السلع‭ ‬الغذائیة‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الزراعیة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬فائضًا‭ ‬كبیرًا‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتعزیز‭ ‬التجارة‭ ‬البینیة‭ ‬وتنویعھا‭ ‬وعدم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬ثابتة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدول،‭ ‬مثل‭ ‬تحفیز‭ ‬التصنیع‭ ‬الوطني،‭ ‬والمشاریع‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬الامن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الزراعة‭ ‬والثروة‭ ‬الحیوانیة‭ ‬والثروة‭ ‬السمكیة‭. ‬

 

خطوط‭ ‬جمركية‭ ‬سريعة

علاوة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬فمن‭ ‬الضروري‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬الخلویة‭ ‬والبروتین‭ ‬البدیل،‭ ‬وھي‭ ‬الزراعات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬كمیات‭ ‬كبیرة‭ ‬من‭ ‬المیاه‭ ‬والاراضي‭ ‬الصالحة‭ ‬للزراعة،‭ ‬وإنشاء‭ ‬خطوط‭ ‬سریعة‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬الجمارك‭ ‬لضمان‭ ‬انسیابیة‭ ‬وعبور‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائیة‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية‭.‬