الناقد عبدالجبار يناقش “دارا الزرادشتي”: لا توهب الحقيقة إلا لمن يستحقها
رواية الموسوي اعتمدت نظام القصص الإيطالية
رأى الناقد عبدالجبار علي أن قراءة رواية (دارا الزرادشتي) تعتمد على أولوية المتلقي فيما إذ كان يبحث عن النص الإبداعي أم موثوقية النص، وذلك في لقاء أقيم بحضور الروائي عقيل الموسوي ونخبة من المهتمين بالسرد والنقد الأدبي بصالون عصمت الثقافي تحت عنوان “اشتغالات المرجعي والمتخيل في اشتغالات السرد في رواية دارا الزرادشتي”، وأعرب أن نقده جاء بناء على البحث عن مرجعيات اشتغال الرواية وليس مرجعيات النص الأصلي بمعنى انه لم يبحث عن صدق الكاتب في موثوقية النص والمصادر وانما المراهنة على إبداعية العمل، واستهل اللقاء بسؤال “ هل استطاع الكاتب ان يجعلنا نفضل المتخيل على المرجعي ؟، ام ان المرجعي ضل منبتا عن المتخيل وتحول الى مجرد وثيقة تاريخية لا مزية لها؟.
وقال: “كقارئ ومتطلع على النصوص الأدبية أرى ان عدة أسباب أدت الى تفوق النص في مستوى التخيل ومنها نهوض النص من داخله وليس من خبرية الوقائع التاريخية بمعنى المتخيل هو المتسيب بينما يشكل التاريخي خلفية يتحرك من خلالها البطل والشخوص الفاعلون لإحداث “التمفصلات” وهي مجموعة التحولات الكبرى التي تحكمت فيها نصوص ومرجعيات ومعتقدات ومذاهب واتجاهات كانت سبباً في مجموع التشكلات التي ابتدعها الكاتب لشخصية “دارا” وجعلتنا مشدودين نحو حركته هو لا نحو حركة المرجعي.
وأضاف: استخدم الكاتب أسلوب التخيل التوسيعي او ما يعرف “بالتغوير” بمعنى ان الرواية اعتمدت نظام القصص الإيطالية فكل حكاية تقود الى حكاية أخرى وتجعل القارئ مشدود لما سيأتي، وهنا نكتشف حيلة الكاتب ومخاتلته في إعادة بناء المرجعي والوثائقي بالشكل الذي يجعلنا نقع في فتنة متخيله وإبداعه فنظل نعيش معه حالة التخدير التي تجعلنا لا نرغب في الانفصال عنه والوقوع في خبرية المسرود وقال: استوقفتني جملة حافزية في الرواية تقول “تذكر انه لا توهب الحقيقة الا لمن يستحقها” حيث لخصت هذه الجملة موضوع الرواية بأكملها.
واثنى على جهود الكاتب في اسناد اعمال لا تاريخية الى شخصيات تاريخية والعكس في ذلك، اذا انه اعتمد هذا الأسلوب على امتداد الرواية، وهذا ما تبين من خلال ذكر شخصيات تاريخية في الرواية واسناد أفعال غير متخيلة لها والاستعانة بشخصيات متخيلة واسناد أفعال تاريخية، اذ اعتبر ذلك لعبة سرد وليست مؤرخ لأن المؤرخ ملزم بقول الحقيقة ومجبور ان يحترمها الا اذا كان يحمل اجندات خاصة.
وأشار الى ان الكاتب سار من نسق الاخبار الى نسق الشعرية ،وهذا ما حقق للرواية كفاءة في المستوى الفني، حيث كان السرد موزعا بين التأبير الداخلي بنسبة 90 % وحوارا بينيا ظاهر بنسبة 10 % ، واكمل ان ذلك يدل على قدرته في سحب المتخيل نحو المقدمة وإبقاء الخبر متأخرا عن طريق استخدام ضمير المتكلم السير ذاتي المرتد من خلف الى امام ومن امام الى خلف حيث يمكن ذلك المتلقي في نسيان الفاصل الزمني الذي قد يصطنعه ضمير الغائب العليم بين النص والقارئ اذ انها تعد احدى حيلة ذكية للإيهام بحقيقة المتخيل وهو يوجه ويحرك ويتحكم في المرجعي فجميع الأشخاص في الرواية يعبرون عن انفسهم ويتحدثون بلسانهم.
وأكد أن “نظام التصفيح وتعدد الأصوات” المتبع في الرواية هو ما شكل الرافعة الأكبر للبناء السردي، ناهيك عن دوره في تنعيم صلابة التاريخي وجعل المتلقي مسحور بفتنة المتخيل أي بتقديم الجمالية على الانشائية أي ان الكاتب اصطنع لنفسه نظام خاص مكنه من إدارة سلطة المرجع او كما تسمى في علم الجيولوجيا “نظام الصفيحة التكتونية” فنكون قد وضعنا امام جدلية عنيفة في مستوى التلقي بين ان نهتم لأمانة الكاتب في نقل التاريخ او نهتم لشكل حضور هذا التاريخ في الرواية.
ونوه على ان رواية “دارا الزرادشتي” رغم وقوعها ضمن تصنيف الرواية التاريخية الا انها اقرب للرواية المحضة لسبب واضح وهو تماهيها مع حاضر متحرك يعيش الازمات ذاتها التي ذكرت في الرواية ومنها (ازمة الهوية الدينية وتفسير النصوص ومعركة التأويل التي عصفت ومازالت تعصف بالبشرية وهي المتسبب في كل الموروث الدموي عند المسلمين كما تطرقت لمواضيع التعصب والتطرف وأزمة القومية وفكرة الوطن وحدودها المكانية والوجودية والفلسفية والتشظي المعرفي والعقائدي وأزمة الروح وضياع الذات والغربة والتغريب إضافة الى التحولات السياسية وأزمة العلاقة بين الحاكم والمحكوم والمرجعية وحدود الدين.
وتعد رواية “دارا الزرادشتي” التي ابصرت النور في 2021 العمل الأدبي الثاني للمؤلف الموسوي، حيث قدّم عمله الادبي الأول في رواية (أريامهر نامه) في 2017 التي نجح من خلالها في تقديم سيرة حقيقية عن منطقة فارس القديمة، وتدور أحداث رواية “دارا الزرادشتي” عن مرحلة مهمة في التاريخ في القرن الثالث عشر الميلادي، نشأ الطفل “دارا” في أحضان الديانة الزرادشتية، حيث ولد في مدينة يزد وتشرب قيمها وتعاليمها من ابيه وأهله ومحيطه، قرأ كتابها الديني المقدس “الأفستا “ المكتوب قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة وأعده الأب ليكون كاهن الطائفة من بعده، لكن حين يموت والده وترحل جماعته وتتفرق في ارض الله، يقرر دارا البقاء في فارس، تغريه حياة جديدة يختبرها بنفسه وفق إرادته الحرة المستقلة وهو الأمر النابع من صميم العقيدة الزرادشتية.
