العدد 4848
السبت 22 يناير 2022
الشمولية وتقديس الزعامات العربية
السبت 22 يناير 2022

في مقالنا الفائت تحت عنوان "عبدالناصر وحرب الاستنزاف"، أشرنا عرضاً لظاهرة رفع كثرة من محبيه العرب إياه إلى مرتبة التقديس، وينطبق الأمر على تقديسنا الزعامات الحزبية، وهي ظاهرة ما برحت شائعة في ثقافتنا السياسية العربية وفي الشرق عموماً في ظل تاريخ طويل من تقاليد ومواريث المجتمعات المستبدة وغياب الممارسة الديمقراطية، وشعور الجماهير بحاجتها الدائمة إلى الزعيم الأب الضرورة، وعلى العكس من ذلك لا نكاد نلمس هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية التي قطعت شوطاً طويلاً من النضج والممارسة الديمقراطية، ولعل المثل البارز الذي يحضرني هذه اللحظة الزعيمان الأوروبيان الكبيران: الفرنسي شارل ديجول والبريطاني ونستون تشرشل، فالأول استقال من الحكم عام 1969 إثر هزيمته في نتائج الاستفتاء الذي عرضه على الشعب، والثاني رغم ما تمتع به من شعبية كبيرة إبان قيادته بلده ضد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه خسر الانتخابات النيابية التي جرت غداة انتهاء الحرب، ولك أن تقارن الحالتين بما ظل يتمتع به عبدالناصر من شعبية كاسحة حتى بعد هزيمته المؤلمة في حرب يونيو 1967.


وثمة نماذج عديدة -عربية وشرقية - لتقديس الزعامات، سواء في السلطة أم خارجها، وإن تكن شعبية أغلبها لا تضاهي شعبية عبدالناصر، نذكر منها: الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وزعيم الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش، والقائد الوطني الفلسطيني جورج جبش، والرئيس العراقي صدام حسين، وزعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصر الله، وزعيم التيار الصدري العراقي مقتدى الصدر، والزعيم السوفييتي ستالين، والزعيم الصيني ماوتسي تونج، والزعيم الإيراني خُميني وخليفته خامنئي، وتستمد الزعامات العربية والإيرانية تقديس نخبة من المثقفين والجماهير لها من مزايداتها وأطروحاتها الثورية المتشددة في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ويبرز نموذجها المتطفل على القضية الفلسطينية في النظام الإيراني وتابعه "حزب الله"، فلا غرابة إذا ما وجدنا جماهير ومثقفي هذه الزعامات لا ترفض نقدها فحسب، بل وتبغض من ينتقدها طاعنة في شرفه الوطني، ويتضاعف المقت إذا ما كان محبوبها المقدس زعيما سياسيا ورجل دين في آن واحد!


وهنا بالضبط يكمن ما خلصت إليه بنهاية مقالي الأسبق "ظاهرة الشمولية ومقت الرأي الآخر" عن دور العامل الموضوعي المتمثل في القضية الفلسطينية وملابسات قضايا التحرر الوطني في نسج العقلية "الشمولية" لدى المثقف العربي، ونضيف إليها أيضاً "الشعبوية" لتداخلها معها، ومع أن أستاذنا الدكتور علي الدين هلال يحدد مفهوم الدولة الشمولية في موسوعته "معجم المصطلحات السياسية" - بالاشتراك مع أساتذة آخرين – بأنها "... عندما لا تسمح (أي الدولة) بوجود أية مؤسسات مستقلة، أي عندما تكون أهداف ونشاطات وعضوية كل المنظمات خاضعة لتحكم الدولة، ويعني ذلك غياب حرية المنظمات... "إلا أننا نستطيع القول إن الشمولية تظهر في العقول قبل تمثلها في سياسات أصحابها بعد وصولهم إلى السلطة، إن بالوسائل الشرعية أو بالعنف والوسائل الانقلابية.


ولعلي أتفق تماما مع ما ذهب إليه الباحث الفلسطيني مرزوق الحلبي الذي حدد ثلاث وظائف ينبغي أن يتحلى بها المثقف المستنير: الأولى أن يتفاعل مع هويته السياسية ومجموعته ومجتمعه، والثانية ألا يكتفي بانتقاد السلطة، بل أية سلطة سواء حزبية أم دينية أم اجتماعية، والثالثة أن يكون ذا قدرة على نقد الذات، وإذا غيّب النقد (ممالأة منه لطائفة أو لحليف أو زعيم أو لوعي الجماهير المتدني في لحظة تاريخية ما) فهو ليس مثقفاً مستنيراً، ونحن نتفق معه أيضاً بأن الشمولية ذات علاقة بالدوغما، وأن المتورطين في تبني العقائد الشمولية أكثر عرضة للوقوع في شرك "الدوغما".

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .