العدد 4796
الأربعاء 01 ديسمبر 2021
نقطة ارتكاز د. غسان محمد عسيلان
“المهرجانات”.. وجدلية الإبداع والأخلاق
الأربعاء 01 ديسمبر 2021

من الأمور الجدليَّة التي شغلت النقَّاد العلاقة بين الإبداع والأخلاق، وذهب بعضهم إلى أن مراعاة البعد الأخلاقي والالتزام بالمحافظة عليه يحد من قدرة الفنان على الإبداع! لكن آخرين عارضوا ذلك وأكدوا أن الأخلاق لا تحدُّ مطلقًا من القدرة على التخيل والإبداع والابتكار، بل تُشجع على ذلك فالهدف الأسمى للنشاط الإنساني هو الارتقاء بحياة البشر وجعلها أكثر رقيًّا وإنسانية. 
ومن الظواهر التي ظهرت مؤخرًا على الساحة الفنية العربية ما يُعرف بـ “أغاني المهرجانات” وهو نمط من الأداء الصوتي فيه صخب في الموسيقى والكلام والمشاعر والأفكار، وإزاء هذا الصخب وتردي المعاني، والترويج لقيم سلبية، ومفاهيم اجتماعية سيئة رفض الكثيرون هذه المهرجانات، ولم يعترف بها أهل الاختصاص من أبناء المجال الموسيقي أنفسهم، لكن هناك من يشجعها ويدعمها ويعدُّها نوعًا من الفن الذي يلائم ذائقة شريحة معينة من الجمهور.
ويتساءل الكثيرون: ما قيمة الفن؟ وما الهدف منه؟ هل تغييب عقول أبناء المجتمع وخصوصا الشباب هو غاية الفن وهدفه؟ أم أن الهدف هو إمتاع الجمهور وتثقيفه والارتقاء بأفكاره، والتأثير الإيجابي في وجدانه ومشاعره ليتبنى منظومة متكاملة من القيم الفاضلة والأخلاق السامية التي تثري الحياة وتجعلها أكثر بهجة وسعادة؟!
الحق أن “المهرجانات” إفراز طبيعي لحالة من التردي العام في الذائقة العربية ليس فقط على المستوى الفني أو الغنائي، إنما في مختلف المجالات، فالأداء العربي الحالي هزيل وضعيف إلا ما رحم ربي، وإذا كنا بصدد نشر الفن الراقي، وتربية الأجيال الجديدة على القيم والفضائل فلابد من الارتقاء بمشاعرهم وأفكارهم، وهو عكس ما تفعله “المهرجانات” التي ترسِّخ الأنانية، وتنفي وجود الوفاء والتضحية والحب الراقي، وتُشعرنا وكأننا نعيش في غابة يفتك فيها القوي بالضعيف، غابة لا مكان فيها لحبٍ صادق ولا تضحيةٍ من أجل أحد، فكل واحد يعيش لنفسه فقط، ويعشق دور الضحية التي تتمرد على كل شيء حتى على الدين والقيم والأخلاق لتعيش من أجل شيء واحد فقط هو إشباع غرائزها وشهواتها ولو على حساب الدين والأخلاق.. فأي إبداع في ذلك؟ وأي مجتمع ننتظر بعد ذلك؟!.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية