العدد 4199
الإثنين 13 أبريل 2020
سنعود يا “فيرلا”
الإثنين 13 أبريل 2020

لا أعرف كيف تقضي “فيرلا”، ابنة روما أيامها ولياليها الآن. كل ما أعرفه أن القدر لم يمهلنا سويًا لارتشاف فنجان قهوة آخر. ولا أعتقد انه يمهلنا إياها، ولو تقاربت الخطى ومنحتنا الحياة صدفةً “بعد أن عزّ اللقاء” فإن مقائينا ستنزف دما معجونا بالصمت في مقلتينا.

“فيرلا”، كلما داهمتني مرارة الذكريات ومطبات الألم في هذه الحياة يخفق قلبي بذاك الأمل السرمدي، الذي يتلقاه الواقف على عتبات كاتدرائية القديس يوحنا في روما. والتي أبهرتني بلاغتك في وصفها... كعادتك في وصف الروحانيات في حياتنا.

في صمت الوحدة، وحين يتهادى المرء بين وابل سهام الدهر... ويكتم الآهات، ويلوّذ بالدعاء للخالق عسى أن تنجلي هذه الغمة... وماذا عنكِ “فيرلا”؟! هل مازلتِ تعيشين حلم التضامن الاجتماعي بين البشر؟ أبعد كل هذا التنكيل والأنانيّة الرأسماليّة؟! هل مازالت ترفرف على شرفة سكناك تلك الأعلام الحمراء ذات الموعد القادم لا محالة... كما أنتِ حين وصفك اللحظة التاريخية الفارقة التي تتوعدين فيها الحياة؟! أم انكسرت تلك الألحان على وقع اقدام الوحش الصغير جداً جداً... كوفيد19. القادم إلى العالم كجائحة تنهب الأرواح نهباً؟!

أما زالت تلك الابتسامة لا تفارق محيّاك في غدوك ورواحك. هل تذكرين انبعاثك الأول ذات مساء، ذلك الانبعاث الأخاذ بين البشر بالقرب من معبد “البانثيون”، معبد كل الآلهة في روما... حين أفصحت عن العشق الإلهي لتلك المدينة الصامدة... روما.

هل تذكرين ما مرّ بنا بالقرب من نافورة “تريفي” حيث المطعم الذي يقدم “البيتزا” الرديئة جداً... وطوافنا حول المواقع الأثرية في روما.

أتذكر شغفك الدائم بعملك وكأني أراك الآن تتهادين يمنةً ويسرة، تارة مع ذلك الفوج وأخرى مع هذا الجمع... شارحةً كل ما يمكن شرحه للزائرين. حتى طوب “البانثيون” الذي تطأه أقدام السواح يأخذ نصيبه من الشرح المطوّل. وإذا بكل شيء قابل للشرح والأخذ والرد، ولو لم يكن هناك تفاصيل، فما أسهل اجتراحك ما يمكن تقديمه من بنات أفكارك! لذا، أنتِ مختلفة “فيرلا”!

حينها تحدثنا طويلاً عن الرقي الإنساني بين الشرق والغرب، قديما وحديثا، وأمطرتيني بوابل من معلومات غنيّة وغزيرة وعميقة في الوقت ذاته. الآن، مازالت عباراتك: نحن من تعلمت أوروبا على أيديهم الفن والحضارة، لقد أخذوا منا كل شيء... الموضة بدأت في “فلورنسا” تلك المدينة الباهرة ذات المركز الاشعاعي المضيء في أوروبا العصور الوسطى... لقد تأوهت الأرض تحت أقدام “روما”، تحت أقدام الرومان، الذين أوكلت لهم السماء اشعال قناديل ليل أوروبا.

اليوم، أنا اتذكر تلك المعالم التاريخية الناطقة بألق هذا الجزء من الجغرافية الأوروبية. فلورنسا حيث السوح المتعددة، الجمهورية، السيادة، ساحة مايكل أنغلو، سان لورينزو، ماريا نوفيلا، وغيرها من معالم تلك المدينة المشطورة بنهر “أرنو”... وذاك الجسر الخشبي العريق. وتلك القصور والمتاحف والمعارض في كل إيطاليا وليس فلورنسا وحسب!

سنعود إليكِ “فيرلا”. سنعود إلى “روما” سنعود إلى “فلورنسا” وسنعود إلى إيطاليا، بعد ان تهدأ عاصفة الأرض التي لفظتنا جميعًا بغتةً... وفرقتنا شيّعًا في أصقاع الأرض... سنعود بأرواح منتشية فارهة الجمال.

سنعود يا “فيرلا” كزهور الميموزا الصفراء الزاهية!

* محام وكاتب بحريني

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية