أسواق القيصرية التقليدية: أسس ومبادئ ملهمة لتصميم المجمعات التجارية الحديثة

| م. محمد ميرزا

تُعد أسواق القيصرية من أبرز عناصر التنظيم العمراني في المدن العربية الإسلامية، حيث شكّلت نواةً اقتصادية واجتماعية تجمع بين التجارة، الحرف، واللقاءات اليومية. وقد ظهرت هذه الأسواق منذ قرون في قلب المدن، بممراتها الضيقة المسقوفة، ودكاكينها الصغيرة التي تتوزع باتساق متوازن على جانبي هذه الممرات، مما يخلق بيئة عمرانية مريحة، مظللة، ومتكيفة مع مناخ المنطقة.

تميّزت هذه الأسواق ببساطتها المعمارية وعمقها الوظيفي؛ إذ رُوعي في تصميمها توفير الظلال، التهوية الطبيعية، لم تكن هذه الأسواق مجرد فراغات للبيع والشراء، بل كانت نمطاً اجتماعياً نشطاً يعكس نبض الحياة اليومية لسكان المدينة العربية القديمة.

في دول الخليج العربي، يُعدّ سوق القيصرية في الهفوف من أبرز النماذج المتبقية، وقد تم ترميمه ليحافظ على طابعه التقليدي، بينما تتقاطع ملامحه المعمارية مع أسواق تاريخية أخرى مثل سوق واقف في الدوحة، وسوق المنامة القديم وقيصرية المحرق في البحرين، مما يعكس وحدة النمط والتشكيل العمراني للمدينة الخليجية رغم تنوّع البيئات.

وعلى الرغم من مرور قرون على ظهور أسواق القيصرية في  الخليج، ألا إن مبادئها المعمارية والاجتماعية لا تزال تحتفظ بقيمتها وتلهم المعماريين في تصميم أكبر المجمعات التجارية الحديثة في مملكة البحرين مثل الأفنيوز ومراسي جاليري على سبيل المثال لا الحصر. إن إحياء فكرة الأسواق القيصرية اليوم لا يجب أن يكون فقط عبر الترميم وإعادة تطوير واجهات، بل من خلال إعادة توظيف مبادئ تشكيل فراغات هذه الأسواق القديمة  كمساحات اقتصادية وثقافية معاصرة تحترم الجذور وتستجيب لمتطلبات الحاضر، مما يعزز من استدامة الهوية العمرانية ويعيد الحياة إلى قلب المدن التاريخية بوجود هذا النوع من المشاريع.

في مجمع الأفنيوز البحرين الذي تم إفتتاحه في الربع الأخير من العام 2017، وعلى الرغم من تصميمه العصري المطل على الواجهة البحرية مع تبنى فكرة "الممر الرئيسي" المظلّل الذي تصطف على جانبيه المحلات التجارية و المطاعم، كما هو الحال في الأسواق التقليدية، لكنه يعرض ذلك بأسلوب معاصر يتميز بالإضاءة الطبيعية والمساحات الواسعة التي تتماشى مع متطلبات العصر الحالي، أما مراسي جاليريا والذي أففتح في فبراير من العام 2024 تمت الإستفادة بشكل ملحوظ من مفهوم "التجارة المتخصصة" الذي كان يميز أسواق القيصرية القديمة، حيث تُجمع متاجر معينة ذات طابع تجاري متشابه في مناطق محددة مثل مناطق المطاعم أو الأزياء و العطور لتسهيل حركة المتسوقين، وهو نفس المبدأ الذي كانت تطبقه الأسواق القديمة بتقسيماتها "سوق الذهب"، "سوق الأقمشة"، و"سوق البهارات" وغيرها.

إن دمج مفاهيم القيصرية في تصميم المجمعات الحديثة لا يعني نسخ العمارة القديمة، بل هو إعادة ترجمتها وظيفياً وخلق تجربة تسوق إنسانية مرتبطة بالبيئة وجذورها في الهوية المحلية. وبذلك تصبح مجمعاتنا التجارية ليس فقط مكاناً للتسوق بل ساحة معاصرة للتلاقي الإجتماعي وصنع الذكريات.