المشهد السوري.. قراءة أولية

| رضي السماك

بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬استسلام‭ ‬وانهيار‭ ‬نظام‭ ‬الأسد‭ ‬سريعا‭ ‬ومباغتا‭ ‬لجميع‭ ‬المراقبين‭ ‬والمحللين،‭ ‬وشكل‭ ‬انعطافة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬المشهد‭ ‬السوري‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬رأسا‭ ‬على‭ ‬عقب،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ظهور‭ ‬الحاكم‭ ‬الجديد،‭ ‬أحمد‭ ‬الشرع‭ (‬أبو‭ ‬محمد‭ ‬الجولاني‭ ‬سابقا‭) ‬بلغة‭ ‬خطاب‭ ‬معتدلة‭ ‬هادئة‭ ‬مفاجأة‭ ‬صاعقة‭ ‬أذهلت‭ ‬الجميع،‭ ‬حيث‭ ‬بدت‭ ‬تلك‭ ‬اللغة‭ ‬تخطب‭ ‬ود‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬وتغازل‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬العربي‭ ‬معا،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬سقوط‭ ‬دمشق‭ ‬الأسدية‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬مطاردا‭ ‬دوليا،‭ ‬كواحد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬قادة‭ ‬جماعات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬المسلحة‭ ‬المتهمة‭ ‬بالإرهاب‭ ‬دوليا‭ ‬وإقليميا‭.‬

وبنفس‭ ‬سرعة‭ ‬سقوط‭ ‬دمشق‭ ‬وفرار‭ ‬الأسد‭ ‬وظهور‭ ‬الجولاني‭ ‬بمظهر‭ ‬“الحمامة‭ ‬الوديعة”‭ ‬المسالمة،‭ ‬تقاطرت‭ ‬سريعا‭ ‬وفود‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬وبعض‭ ‬دول‭ ‬الإقليم‭ ‬لتمد‭ ‬اليد‭ ‬إليه‭ ‬مباركة‭ ‬استلامه‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد،‭ ‬ولتستكشف‭ ‬مدى‭ ‬حقيقة‭ ‬تغير‭ ‬شخصيته‭ ‬بالشكل‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬عليه‭ ‬كحاكم‭ ‬معتدل‭ ‬مسالم،‭ ‬وعلى‭ ‬رأس‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬استلامه‭ ‬السلطة‭ ‬قد‭ ‬رصدت‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭ ‬لمن‭ ‬يدلي‭ ‬بمعلومات‭ ‬تفيد‭ ‬للقبض‭ ‬عليه،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬ألغت‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مخبئه‭ ‬السري‭ ‬الذي‭ ‬يشن‭ ‬منه‭ ‬عملياته‭ ‬العسكرية‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬ليس‭ ‬أشد‭ ‬صعوبة‭ ‬وتعقيدا‭ ‬لواشنطن‭ ‬ولا‭ ‬لحليفتها‭ ‬أنقرة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنجاحها‭ ‬في‭ ‬اعتقال‭ ‬رئيس‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بفضل‭ ‬إعلانها‭ ‬مكافأة‭ ‬25‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لمن‭ ‬يدلي‭ ‬بمعلومات‭ ‬عنه،‭ ‬ما‭ ‬مكن‭ ‬قواتها‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مخبئه‭ ‬السري،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فالحليفتان‭ - ‬أنقرة‭ ‬وواشنطن‭ - ‬تتمتعان‭ ‬بوجود‭ ‬مسلح‭ ‬قوي‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬يعززه‭ ‬نظام‭ ‬استخباراتي‭ ‬بالغ‭ ‬التطور،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬علامات‭ ‬استفهام‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬وصول‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬مخبئه‭ ‬السري‭ ‬حتى‭ ‬عشية‭ ‬سقوط‭ ‬دمشق‭! 

إن‭ ‬الفرحة‭ ‬العارمة‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬شطرا‭ ‬من‭ ‬السوريين‭ ‬لحظة‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬بعدما‭ ‬عانوا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬عاما،‭ ‬دفعتهم‭ ‬للخروج‭ ‬عفويا‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع؛‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعرهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬استفتاء‭ ‬شعبيا‭ ‬بتأييد‭ ‬الحكام‭ ‬الجدد‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬مخطئة‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬فهمت‭ ‬تلك‭ ‬المشاهد‭ ‬بمثابة‭ ‬تفويض‭ ‬شعبي‭ ‬مطلق‭ ‬لها‭. ‬وإذ‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬خبرة‭ ‬وكيفية‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬وإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬ما‭ ‬خربه‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬طوال‭ ‬ستة‭ ‬عقود‭ ‬ونيف،‭ ‬فإن‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تعي‭ ‬أولوية‭ ‬حاجتها‭ ‬الآنية‭ ‬القصوى‭ ‬لتوفير‭ ‬مستلزمات‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬الداخليين،‭ ‬والتي‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أولوياتها‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المستلزمات‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اعتقدت‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬أنها‭ ‬ستكسب‭ ‬ثقة‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬سريعا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬تناقضاتها‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تبذل‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬جهودا‭ ‬لضبط‭ ‬النفس‭ ‬وتصفير‭ ‬المشاكل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬تمسكها‭ ‬بخطابها‭ ‬“الثورجي”‭ ‬المتقادم‭ ‬منذ‭ ‬1979‭ ‬وتدخلها‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭.‬

ثمة‭ ‬مخاوف‭ ‬جدية‭ ‬بأن‭ ‬يندفع‭ ‬طرفا‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬وطهران‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬غير‭ ‬مأمون‭ ‬عواقب‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬وأمن‭ ‬المنطقة‭ ‬برمتها،‭ ‬لتضيف‭ ‬تعقيدا‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬تعقيداتها‭ ‬المريرة‭ ‬المزمنة‭ ‬والمتراكمة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تنسف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ - ‬ولو‭ ‬نسبيا‭ - ‬من‭ ‬جهود‭ ‬لتصغير‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭.‬

كما‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ - ‬كمستلزم‭ ‬للبناء‭ ‬وإعادة‭ ‬التعمير‭ - ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ارتضت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬رهينة‭ ‬لأنقرة،‭ ‬التي‭ ‬مولتها‭ ‬ودعمتها‭ ‬ومكنتها‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬دمشق‭ ‬حالما‭ ‬أينعت‭ ‬رؤوس‭ ‬حكامها‭ ‬السابقين‭ ‬للاقتطاف،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اعتقدت‭ ‬بأنها‭ ‬ستنعم‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تخلت‭ ‬كليا‭ ‬عن‭ ‬أبسط‭ ‬التزامات‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬جمعاء‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬ودون‭ ‬الوعي‭ ‬بكل‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬الشائكة‭ ‬ستدخل‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬معمعة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬والاضطرابات،‭ ‬ولعل‭ ‬الشهور‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجديد‭ ‬ستكون‭ ‬حبلى‭ ‬وحاسمة‭ ‬لاختبار‭ ‬وسبر‭ ‬أغوار‭ ‬السلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬ومعرفة‭ ‬نواياها‭ ‬الحقيقية‭.‬