رطانة دخيلة على حزبكم

| رضي السماك

لم‭ ‬يمضِ‭ ‬سوى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬نعيم‭ ‬قاسم‭ ‬حتى‭ ‬تبعها‭ ‬بكلمة‭ ‬جديدة‭ ‬ألقاها‭ ‬مؤخرا،‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬بمناسبة‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬حليفه‭ ‬وطهران،‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬الخطير‭ ‬من‭ ‬زعزعة‭ ‬جديدة‭ ‬إضافية‭ ‬لمعنويات‭ ‬كوادر‭ ‬الحزب‭ ‬وأنصاره،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬انقلاب‭ ‬جمهرة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬العرب‭ ‬المعروفين‭ ‬بموالاتهم‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬وطهران‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬على‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬ظل‭ ‬الحليفان‭ ‬يروجانها‭ ‬لتبرير‭ ‬دخولهما‭ ‬سوريا‭ ‬لحمايتها‭ ‬عسكريا،‭ ‬ولحماية‭ ‬مسيحيي‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬“داعش”‭ ‬كما‭ ‬ردد‭ ‬مرارا‭ ‬زعيم‭ ‬الحزب‭ ‬الراحل‭ ‬في‭ ‬خطاباته‭.‬

وهكذا‭ ‬وجد‭ ‬قاسم‭ ‬نفسه‭ ‬مدفوعا‭ ‬لإلقاء‭ ‬كلمته‭ ‬الطارئة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لترميم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬ترميمه‭ ‬من‭ ‬معنويات‭ ‬مقاتلي‭ ‬الحزب‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تتهاوى‭ ‬تباعا‭ ‬لفرار‭ ‬“الأسد”‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تكبده‭ ‬الحزب‭ ‬من‭ ‬أرواح‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬مقاتليه‭. ‬وقد‭ ‬حاول‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬تعديل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تعديله‭ ‬على‭ ‬سردية‭ ‬مبررات‭ ‬دعم‭ ‬الحزب‭ ‬للنظام‭ ‬السابق،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬طوفان‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬فضائح‭ ‬“القبضة‭ ‬الحديدية‭ ‬الدموية”،‭ ‬وما‭ ‬خلفته‭ ‬من‭ ‬مآس‭ ‬يندى‭ ‬لها‭ ‬جبين‭ ‬البشرية‭ ‬لعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬السورية‭. ‬

كما‭ ‬جاءت‭ ‬تصريحات‭ ‬مسؤولين‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لتفسير‭ ‬موقفه‭ ‬المتفرج‭ ‬غداة‭ ‬سقوط‭ ‬حليفه‭ ‬السوري‭ ‬لتزيد‭ ‬الطين‭ ‬بلة‭ ‬في‭ ‬ضعضعة‭ ‬معنويات‭ ‬أعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬وأنصاره‭ ‬وانفضاض‭ ‬مجاميع‭ ‬جديدة‭ ‬عنه،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أولئك‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإيرانيين،‭ ‬أظهروا‭ ‬نظامهم‭ ‬بمظهر‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬ناصحا‭ ‬للأسد‭ ‬عشية‭ ‬سقوطه،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعبأ‭ ‬بنصائحهم‭! (‬.

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قاسما‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬تناقضا‭ ‬في‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بمقولة‭ ‬للمرشد‭ ‬الإيراني‭ ‬الراحل‭ ‬الخميني‭ ‬لتعزيز‭ ‬مفهومه‭ ‬للانتصار‭ ‬بموازاة‭ ‬مغازلته‭ ‬جيش‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بما‭ ‬قدمه‭ ‬من‭ ‬شهداء‭ ‬جراء‭ ‬مغامرة‭ ‬حزبه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والذي‭ ‬طالما‭ ‬أدارت‭ ‬قيادته‭ ‬ظهرها‭ ‬للجيش‭ ‬والدولة‭ ‬بانفرادها‭ ‬بقرارات‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم،‭ ‬وكأنه‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لسيادة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬اللبنانية‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬نحينا‭ ‬جانبا‭ ‬تفسير‭ ‬قاسم‭ ‬لمفهوم‭ ‬“انتصار”‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬“إسناد‭ ‬غزة”‭ ‬أو‭ ‬“وحدة‭ ‬الساحات”،‭ ‬وتبريراته‭ ‬لقبول‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬بلا‭ ‬شروط،‭ ‬بإضافته‭ ‬بهارات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬“الطبخة‭ ‬التبريرية”‭ ‬لعلها‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للمضغ،‭ ‬فإنه‭ ‬تورط‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬ليجرّب‭ ‬أن‭ ‬يرطن‭ ‬بلغة‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬بصلة‭ ‬للغة‭ ‬آيديولوجية‭ ‬حزبه‭ ‬كواحد‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬“الإسلام‭ ‬السياسي”،‭ ‬فعلاوة‭ ‬على‭ ‬وعده‭ ‬بالمساهمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬ومساعدتها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬والمنظمات،‭ ‬فإنه‭ ‬أكد‭ ‬استعداد‭ ‬حزبه‭ ‬“المشاركة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدولة‭ ‬ببرنامج‭ ‬إصلاحي‭ ‬اقتصادي‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬المواطنة‭ ‬والمساواة‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬القانون”‭.‬

وإذ‭ ‬كرّر‭ ‬نعيم‭ ‬هذه‭ ‬الرطانة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بآمال‭ ‬حزبه‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬اللبناني‭ ‬والسوري،‭ ‬وكذا‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬حكومتيهما،‭ ‬وإذ‭ ‬أبدى‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬“المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬المواطن‭ ‬السوري‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬فئة‭ ‬دون‭ ‬أخرى”،‭ ‬فإنه‭ ‬يتناسى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الرطانة‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المصداقية،‭ ‬كونها‭ ‬دخيلة‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬ولغة‭ ‬الحزب‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬عقيدة‭ ‬دينية‭ ‬فئوية‭ ‬محكمة‭ ‬الإغلاق‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني