حكاية نظام أسقط نفسه بنفسه

| رضي السماك

‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬مصطلح‭ ‬“نظرية‭ ‬المؤامرة”‭ ‬تعود‭ ‬نشأته‭ ‬إلى‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬رواجه‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يُعرف‭ ‬كما‭ ‬عُرف‭ ‬منذ‭ ‬النكبة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬1948،‭ ‬حيث‭ ‬بُرّر‭ ‬وقوعها‭ ‬بالكامل‭ ‬جراء‭ ‬نجاح‭ ‬مؤامرة‭ ‬أميركية‭ ‬صهيونية‭ ‬مع‭ ‬تغييب‭ ‬تام‭ ‬للعوامل‭ ‬الذاتية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والعربية،‭ ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬غداة‭ ‬نكسة‭ ‬1967‭. ‬إن‭ ‬كل‭ ‬الانقلابات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الجمهوريات‭ ‬العربية‭ ‬المسماة‭ ‬بـ‭ ‬“الثورات”‭ ‬إنما‭ ‬جاءت‭ ‬باسم‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬وإنقاذ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬المؤامرات‭ ‬التي‭ ‬تُحاك‭ ‬ضدها،‭ ‬كما‭ ‬كل‭ ‬طغمة‭ ‬عسكرية‭ ‬حاكمة‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬تصفياتها‭ ‬للطغمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬السابقة‭ ‬وتخونها‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬ذاته‭. ‬ولعل‭ ‬القطرين‭ ‬السوري‭ ‬والعراقي‭ ‬اللذين‭ ‬حكمهما‭ ‬جناحان‭ ‬متصارعان‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬هما‭ ‬أكثر‭ ‬أقطار‭ ‬الجمهوريات‭ ‬العربية‭ ‬القومية‭ ‬شهدا‭ ‬منذ‭ ‬نكبة‭ ‬1948‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الانقلابات‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬الفاشلة‭ ‬منها‭ ‬والناجحة،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬انقلابات‭ ‬داخل‭ ‬الجناح‭ ‬الواحد‭ ‬للحزب‭ ‬الحاكم‭ ‬الواحد‭.‬

لقد‭ ‬اُشتهر‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬الانقلابية‭ ‬الفريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حملاتها‭ ‬الإعلامية‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬الملكية‭ ‬بنعتها‭ ‬بـ‭ ‬“الوراثية”‭ ‬و”الاستبدادية”،‭ ‬لكن‭ ‬رؤساءها‭ ‬انتهوا‭ ‬إلى‭ ‬تبييت‭ ‬النية‭ ‬لتوريث‭ ‬أبنائهم‭ ‬الحكم‭. ‬ولأسباب‭ ‬مختلفة‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬سوى‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد‭ ‬حينما‭ ‬أزِف‭ ‬رحيله‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الابن‭ ‬باسل‭ ‬رحل‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬سير‭ ‬غامض‭ ‬لم‭ ‬تكشف‭ ‬أسراره‭ ‬بعد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تصميم‭ ‬الوالد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يصبغ‭ ‬حزبه‭ ‬الحاكم‭ ‬بجيناته،‭ ‬جعله‭ ‬يستدعي‭ ‬شقيقه‭ ‬الأصغر‭ ‬طبيب‭ ‬العيون‭ ‬بشّار‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬ليستلم‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بشّار‭ ‬مؤهّلًا‭ ‬لإدارة‭ ‬حكم‭ ‬دولة‭ ‬مهمة‭ ‬بحجم‭ ‬سوريا؟‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الوالد‭ ‬“الحصيف”‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬“حكيمًا”‭ ‬بالمعنى‭ ‬المحلي‭ ‬وبالمعنى‭ ‬الأصلي‭ ‬الفصيح‭ ‬للكلمة‭. ‬

ورغم‭ ‬السقوط‭ ‬السريع‭ ‬المباغت‭ ‬لهذا‭ ‬الأخير‭ ‬فإن‭ ‬المتمسكين‭ ‬بنظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬ظلوا‭ ‬يرددونها‭ ‬بإفراط‭ ‬هذياني‭ ‬منقطع‭ ‬النظير،‭ ‬وإذ‭ ‬لم‭ ‬يفقوا‭ ‬من‭ ‬نشوة‭ ‬إدمانها،‭ ‬فكيف‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتعظوا‭ ‬من‭ ‬عِبر‭ ‬السقوط‭ ‬والتحلي‭ ‬بشجاعة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأخطاء‭ ‬القاتلة‭.‬

لا‭ ‬جدال‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬“المؤامرات‭ ‬الخارجية”‭ ‬تلعب‭ ‬أدوارًا‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬إطاحة‭ ‬أنظمة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الأعم‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬ليست‭ ‬محورية‭ ‬كالعوامل‭ ‬الداخلية،‭ ‬فالقوى‭ ‬الخارجية‭ ‬المتآمرة‭ ‬تأتي‭ ‬غالبًا‭ ‬لتضفي‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الختامي‭ ‬لمساتها‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وكأن‭ ‬لسانها‭ ‬معبر‭ ‬عنه‭ ‬بمقولة‭ ‬الحجاج‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬الثقفي‭ ‬الشهيرة‭: ‬“إني‭ ‬لأرى‭ ‬رؤوسًا‭ ‬قد‭ ‬أينعت‭ ‬وحان‭ ‬قطافها”‭ ‬وهي‭ ‬لم‭ ‬تينع‭ ‬إلا‭ ‬بفضل‭ ‬حكام‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإن‭ ‬حكامها‭ ‬أطاحوا‭ ‬أنظمتهم‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬إصلاح‭ ‬فوّتوها‭ ‬بمكابراتهم‭ ‬وإصرارهم‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬“القبضة‭ ‬الحديدية”‭. ‬وجراء‭ ‬الفرص‭ ‬المضيّعة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الختامي‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬لجأ‭ ‬للاستعانة‭ ‬بموسكو‭ ‬وطهران‭ ‬لحماية‭ ‬نفسه،‭ ‬بل‭ ‬وبحزب‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬هب‭ ‬لنجدته‭ ‬بإيعاز‭ ‬من‭ ‬طهران‭. ‬لقد‭ ‬سفحت‭ ‬دموع‭ ‬على‭ ‬قدراته‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬دمرتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أقل‭ ‬القليل؛‭ ‬جراء‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬“القبضة‭ ‬الحديدية”‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬الصبور‭ ‬مع‭ ‬ممثلي‭ ‬شعبه‭ ‬المعتدلين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بتفويته‭ ‬فرصًا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ‭ ‬“ربيع‭ ‬دمشق”‭ ‬مطلع‭ ‬القرن،‭ ‬ثم‭ ‬بداية‭ ‬أحداث‭ ‬2011‭. ‬وغداة‭ ‬السقوط‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أصدق‭ ‬أصدقائه‭ ‬المخلصين‭ ‬حرجًا‭ ‬من‭ ‬التندر‭ ‬عليه،‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬كلامهم،‭ ‬وفيما‭ ‬غزة‭ ‬مبتهجة‭ ‬بسقوطه،‭ ‬انقلب‭ ‬محبوه‭ ‬من‭ ‬عتاة‭ ‬المحللين‭ ‬عليه‭ ‬خلال‭ ‬أربع‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬هروبه‭!.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني