مجزرة الطنطورية ومذابح غزة

| رضي السماك

‭ ‬لعلّ‭ ‬أستاذة‭ ‬الأدب‭ ‬الإنجليزي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬عين‭ ‬شمس‭ ‬والناقدة‭ ‬الروائية‭ ‬المصرية‭ ‬الراحلة‭ ‬رضوى‭ ‬عاشور‭ ‬بسردها‭ ‬حكاية‭ ‬مجزرة‭ ‬قرية‭ ‬“الطنطورة”‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬العصابات‭ ‬اليهودية‭ ‬الصهيونية‭ ‬بحق‭ ‬رجالها‭ ‬إبان‭ ‬نكبة‭ ‬48،‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬انفرد‭ ‬بسرد‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬فنيًّا‭ ‬بمخيّلتها‭ ‬الجمالية‭ ‬الإبداعية،‭ ‬وجاء‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬المشوّق‭ ‬المتسلسل‭ ‬وكأنه‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬النكبة‭ ‬وتداعياتها‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬وقوعها‭ ‬إلى‭ ‬“اتفاقية‭ ‬أوسلو”‭ ‬1993‭ ‬ومشارف‭ ‬قرننا‭ ‬الحالي،‭ ‬فمجزرة‭ ‬تلك‭ ‬القرية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الجميلة‭ ‬الوادعة،‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬المتوسط‭ ‬جنوبي‭ ‬حيفا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬المآسي‭ ‬والمذابح‭ ‬المتصلة‭ ‬التي‭ ‬فرّختها‭ ‬النكبة‭ ‬حتى‭ ‬عشية‭ ‬صدور‭ ‬الرواية‭ ‬2010‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الشروق‭ ‬المصرية‭. ‬وتروي‭ ‬عاشور‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬بطلة‭ ‬الرواية‭ ‬“رقية”‭ ‬كيف‭ ‬تناسلت‭ ‬مجزرة‭ ‬الطنطورية‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬المجازر‭ ‬والتهجير‭ ‬إلى‭ ‬بلدات‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬ثم‭ ‬داخل‭ ‬لبنان،‭ ‬فكأنما‭ ‬الروائية‭ ‬المصرية‭ ‬عايشت‭ ‬فصول‭ ‬هذا‭ ‬المسلسل‭ ‬بكل‭ ‬دقائق‭ ‬أحداثه‭ ‬وتفاصيله،‭ ‬ولا‭ ‬غرو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عرفنا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬زوجة‭ ‬الروائي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬صاحب‭ ‬رائعة‭ ‬“رأيت‭ ‬رام‭ ‬الله”،‭ ‬وهما‭ ‬والدا‭ ‬الشاعر‭ ‬المبدع‭ ‬تميم‭ ‬البرغوثي،‭ ‬فعلى‭ ‬لسان‭ ‬رقية‭ ‬تحكي‭ ‬أبرز‭ ‬محطات‭ ‬ورموز‭ ‬تلك‭ ‬السلسلة‭ ‬المتناسلة‭ ‬من‭ ‬النكبات‭ ‬والمجازر‭ ‬والتهجير‭ ‬وأحداثها،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬أخبار‭ ‬اغتيالات‭ ‬الموساد‭ ‬أبرز‭ ‬عقول‭ ‬إعلام‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬الروائي‭ ‬الشهيد‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني،‭ ‬مقدمات‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬1975‭ ‬وأبرز‭ ‬محطاتها‭ ‬من‭ ‬مذابح‭ ‬ومآسي‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬كما‭ ‬اللبنانيين،‭ ‬حصار‭ ‬تل‭ ‬الزعتر‭ ‬وجسر‭ ‬الباشا،‭ ‬الاجتياح‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للبنان‭ ‬فبيروت‭ ‬1982،‭ ‬المذابح‭ ‬الكتائبية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المروّعة‭ ‬بحق‭ ‬مخيمي‭ ‬صبرا‭ ‬وشاتيلا‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬ميلشيا‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬“فتح”‭ ‬وأُخرى‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬أمل‭ ‬بحق‭ ‬جنوبيين‭ ‬مدنيين‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬الثمانينيات‭. 

تفجير‭ ‬بيت‭ ‬الكتائب‭ ‬ومقتل‭ ‬الرئيس‭ ‬بشير‭ ‬الجميل،‭ ‬حكاية‭ ‬طفل‭ ‬فلسطيني‭ ‬تم‭ ‬إنقاذه‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬العبثية،‭ ‬مفتاح‭ ‬بيوتهم‭ ‬القديم‭ ‬الصدئ‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬رمزًا‭ ‬لجريمة‭ ‬اقتلاع‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬تربة‭ ‬وطنه‭ ‬ويحافظ‭ ‬عليه‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬كأيقونة‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬جريمة‭ ‬تشريدهم‭.‬

‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬رواية‭ ‬الطنطورية‭ ‬تشبه‭ ‬بوجه‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬رواية‭ ‬“باب‭ ‬الشمس”‭ ‬لإلياس‭ ‬خوري،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬السرد‭ ‬الفني،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬تعبيرها‭ ‬وملامستها‭ ‬آلام‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬منذ‭ ‬نكبتهم‭ ‬الكبرى‭ ‬1948‭ ‬وإعجاب‭ ‬النخبة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأدبية‭ ‬والمثقفة‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تتشابه‭ ‬مجرياتها‭ ‬أيضًا‭ ‬بوقائع‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الجارية‭ ‬على‭ ‬غزة‭.‬

كما‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كاتبتها‭ ‬رضوى‭ ‬عاشور‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬أو‭ ‬نشرتها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2010‭ - ‬وفق‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ - ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬تستشرف‭ ‬الأبعاد‭ ‬الخطيرة‭ ‬لجريمة‭ ‬الطنطورية،‭ ‬فبعد‭ ‬نحو‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬رحيل‭ ‬الروائية‭ (‬ت‭ ‬2014‭) ‬كُشف‭ ‬النقاب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬عن‭ ‬مذبحة‭ ‬هذه‭ ‬القرية،‭ ‬والأهم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬المخرج‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬آلون‭ ‬شوارز،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تغطية‭ ‬إعلامية‭ ‬دقيقة‭ ‬لشهادات‭ ‬القتلة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المخرج‭ ‬لا‭ ‬يتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬بل‭ ‬يبرر‭ ‬فعل‭ ‬القتلة‭. ‬وقد‭ ‬اعتمد‭ ‬في‭ ‬إخراجه‭ ‬على‭ ‬بحث‭ ‬استقصائي‭ ‬أجراه‭ ‬طالب‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تيدي‭ ‬كاتز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عصابات‭ ‬الاحتلال‭ ‬ارتكبت‭ ‬مجزرة‭ ‬بحق‭ ‬200‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬القرية،‭ ‬وتوصل‭ ‬بموجب‭ ‬140‭ ‬ساعة‭ ‬مسجلة‭ ‬لمقابلات‭ ‬حية‭ ‬مع‭ ‬137‭ ‬فردًا‭ ‬من‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬والفلسطينيين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬العصابات‭ ‬المسلحة‭ ‬اليهودية‭ ‬–‭ ‬كالهاجاناه‭ - ‬تخلصت‭ ‬من‭ ‬جثث‭ ‬شهداء‭ ‬بدفنها‭ ‬في‭ ‬قبور‭ ‬جماعية‭! ‬وقد‭ ‬عُرض‭ ‬فيلم‭ ‬في‭ ‬صالات‭ ‬سينما‭ ‬عالمية‭ ‬كثيرة،‭ ‬منها‭ ‬صالة‭ ‬داخل‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬وأُخرى‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬1948،‭ ‬والمخزي‭ ‬المثير‭ ‬للغضب‭ ‬الشديد‭ ‬والاشمئزاز‭ ‬ليس‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لدى‭ ‬أي‭ ‬إنسان‭ ‬ذي‭ ‬ضمير‭ ‬حي‭ ‬وحس‭ ‬سوي‭ ‬أن‭ ‬المجرمين‭ ‬القتلة‭ ‬المعمرين‭ ‬يروون‭ ‬اعترافاتهم‭ ‬بكل‭ ‬أريحية‭ ‬وسرور،‭ ‬بل‭ ‬وتغلب‭ ‬على‭ ‬معظمهم‭ ‬القهقهات،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يرف‭ ‬لهم‭ ‬جفن‭ ‬أو‭ ‬تهتز‭ ‬لهم‭ ‬شعرة‭.. ‬فماذا‭ ‬يا‭ ‬تُرى‭ ‬نتوقع‭ ‬من‭ ‬أولاد‭ ‬وأحفاد‭ ‬هذه‭ ‬العصابات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭ ‬الجديدة؟‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يرتكبوا‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وماذا‭ ‬نتوقع‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والعالم‭ ‬بأسره‭ ‬الذي‭ ‬التزم‭ ‬الصمت‭ ‬عمليًّا،‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬الإدانات‭ ‬اللفظية‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬بعضه‭. ‬وأخيرًا‭ ‬لأن‭ ‬جاز‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نجتهد‭ ‬في‭ ‬“النقد‭ ‬الأدبي”‭ ‬لقلنا‭ ‬إن‭ ‬رواية‭ ‬عاشور‭ ‬صوّرت‭ ‬المنكوبين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬كقديسين‭ ‬ثوريين‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تذكر‭ ‬شيئًا‭ ‬لأي‭ ‬جانب‭ ‬سلبي‭ ‬كبشر‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬بما‭ ‬يُخالف‭ ‬فن‭ ‬حبكة‭ ‬الروايات‭ ‬الواقعية‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني