الإفلات من العقاب.. إلى متى؟

| رضي السماك

‭ ‬مضى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬شهرًا‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬يشنّها‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬المدنيين‭ ‬العزّل،‭ ‬والتي‭ ‬تبعها‭ ‬بتوسيع‭ ‬عدوانه‭ ‬البري‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬ونيف‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وحشية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نسف‭ ‬قرى‭ ‬ومناطق‭ ‬بأكملها‭ ‬وتسويتها‭ ‬بالأرض،‭ ‬واستشهاد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬جراء‭ ‬ذلك،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إجبار‭ ‬سكان‭ ‬الجنوب‭ ‬والضاحية‭ ‬والبقاع‭ ‬وسائر‭ ‬المناطق‭ ‬المستهدفة‭ ‬على‭ ‬النزوح‭ ‬إلى‭ ‬العراء‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬بيروت‭ ‬والمدن‭ ‬الآمنة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬ومعهم‭ ‬أطفالهم‭ ‬وشيوخهم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬باتوا‭ ‬أشبه‭ ‬بالجالسين‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬سينما‭ ‬كبرى‭ ‬اتساعها‭ ‬باتساع‭ ‬رقعة‭ ‬المعمورة‭ ‬يتفرجون‭ ‬على‭ ‬فيلم‭ ‬إسرائيلي‭ ‬أميركي‭ ‬طويل‭ ‬تتوفر‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬الإثارة‭ ‬والاستمتاع‭ ‬برؤية‭ ‬مشاهد‭ ‬الدماء‭ ‬وأعمال‭ ‬الإبادة‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬تطول‭ ‬الشعبين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬واللبناني‭. ‬وبدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نتنياهو‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬رهانه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬على‭ ‬إنهاك‭ ‬العرب‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أشكال‭ ‬احتجاجاتهم‭ ‬ضد‭ ‬المجازر‭ ‬اليومية،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬المسيرات‭ ‬والدعاوى‭ ‬المرفوعة‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬ومحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬خصوصًا‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬كسبها،‭ ‬وتقارير‭ ‬وكالات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المعنية‭ ‬بشؤون‭ ‬الإنسان‭ ‬واللاجئين‭ ‬وجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬والإغاثة،‭ ‬وكذلك‭ ‬تصريحات‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المنددة‭ ‬بشدة‭ ‬بحرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬طالبت‭ ‬بتعليق‭ ‬عضوية‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬بدا‭ ‬غير‭ ‬مكترث‭ ‬بتهديدها،‭ ‬فهو‭ ‬ماض‭ ‬قدمًا‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬الحرب‭ ‬لأنه‭ ‬يدرك‭ ‬أنها‭ ‬تطيل‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬جثث‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والشيوخ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تفسره‭ ‬بالضبط‭ ‬مواقفه‭ ‬المتعنتة‭ ‬برفض‭ ‬كل‭ ‬تنازلات‭ ‬يقدمها‭ ‬له‭ ‬الطرفان‭ ‬الفلسطيني‭ ‬واللبناني،‭ ‬فكلما‭ ‬أوشك‭ ‬المفاوضون‭ ‬على‭ ‬التوصل‭ ‬مع‭ ‬ممثليه‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬اللمسات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لمشروع‭ ‬تسوية،‭ ‬ينقلب‭ ‬فجأةً‭ ‬على‭ ‬عقبيه‭ ‬وينسفها‭ ‬بإضافة‭ ‬شروط‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الأصل؛‭ ‬بغية‭ ‬عرقلتها‭ ‬وكسب‭ ‬الوقت‭. ‬

لقد‭ ‬أدرك‭ ‬نتنياهو‭ ‬بدهائه‭ ‬الماكر‭ ‬أنه‭ ‬مادام‭ ‬قد‭ ‬ضمن‭ ‬دعم‭ ‬صديقته‭ ‬العظمى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تسليحًا‭ ‬ومالًا‭ ‬وسياسيًّا‭ ‬ووقوفها‭ ‬إلى‭ ‬صفه‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬جرائم‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬جيشه‭ ‬بذريعة‭ ‬“حق‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس”،‭ ‬ومادام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ - ‬ومؤسساته‭ - ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التنديدات‭ ‬اللفظية،‭ ‬مهما‭ ‬تم‭ ‬تغليظ‭ ‬شدتها،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬أو‭ ‬منظمة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إجباره‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬حربه‭ ‬الوحشية،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬حكومته‭ ‬قد‭ ‬ضمنت‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬الذي‭ ‬تنص‭ ‬عليه‭ ‬المواثيق‭ ‬الدولية‭ ‬حال‭ ‬ارتكاب‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم،‭ ‬وقد‭ ‬طالبت‭ ‬بتطبيقها‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬منظمات‭ ‬وشخصيات‭ ‬دولية،‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬ما‭ ‬طالبت‭ ‬به‭ - ‬كأضعف‭ ‬الإيمان‭ - ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز‭ ‬مقررة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لشؤون‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬بتعليق‭ ‬عضويتها‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬طالبت‭ ‬به‭ ‬قمة‭ ‬الرياض‭ ‬الأخيرة‭.‬

ولعلّ‭ ‬ما‭ ‬يلحق‭ ‬الضرر‭ ‬بسمعة‭ ‬البشرية‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتحضرة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يستسلم‭ ‬ذوو‭ ‬الضمائر‭ ‬الحية‭ ‬دون‭ ‬تطوير‭ ‬وتكثيف‭ ‬أشكال‭ ‬احتجاجاتهم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تغدو‭ ‬هذه‭ ‬المجازر‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬يوميًّا‭ ‬بمثابة‭ ‬روتين‭ ‬اعتيادي‭ ‬يومي‭ ‬كحوادث‭ ‬الطرقات،‭ ‬أما‭ ‬ذوو‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬المنحازون‭ ‬والداعمون‭ ‬للطرف‭ ‬المجرم‭ ‬الباغي،‭ ‬فإن‭ ‬العار‭ ‬سيظل‭ ‬يلطخ‭ ‬سمعتهم‭ ‬وسجلهم‭ ‬الأسود‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تمحى‭ ‬إلى‭ ‬أبد‭ ‬الآبدين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬مثلهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬كل‭ ‬حكام‭ ‬الدول‭ ‬والممالك‭ ‬الفاشية‭ ‬القديمة،‭ ‬وهم‭ ‬صنف‭ ‬بشري‭ ‬خارج‭ ‬الحضارة‭ ‬البشرية،‭ ‬ومثلهم‭ ‬أيضًا‭ ‬فاشيو‭ ‬عصرنا،‭ ‬فمهما‭ ‬تشدقوا‭ ‬تباهيًا‭ ‬بالتحضر‭ ‬والديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأيًّا‭ ‬تكن‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬بلدانهم‭ ‬من‭ ‬قفزات‭ ‬في‭ ‬الإنجازات‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ومحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬قد‭ ‬توافقا‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬ترتكبه‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬جريمة‭ ‬“الإبادة‭ ‬الجماعية”‭ ‬بحق‭ ‬شعب،‭ ‬فإن‭ ‬أبسط‭ ‬ما‭ ‬توصف‭ ‬به‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تمارسه،‭ ‬مرتكبة‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬الإرهابي،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬“إرهاب‭ ‬دولة”،‭ ‬ومن‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬“إرهاب‭ ‬الدولة”‭ ‬أشد‭ ‬خطورةً‭ ‬من‭ ‬إرهاب‭ ‬“الجماعات‭ ‬المسلحة”،‭ ‬وخاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وصدّقت‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬المواثيق‭ ‬والعهود‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المطالبات‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭ ‬بتعليق‭ ‬عضوية‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬عمل‭ ‬مشترك‭ ‬جماعي‭ ‬ذي‭ ‬آليات‭ ‬واضحة‭ ‬محددة‭ ‬تتيح‭ ‬تلبية‭ ‬هذه‭ ‬المطالبات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضغط‭ ‬الجماعي‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تلويح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالفيتو‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬لإحباط‭ ‬القرار‭ ‬الخاص‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أن‭ ‬تثمر‭ ‬جهودهم‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬إحباط‭ ‬القرار،‭ ‬بعرضه‭ ‬على‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬لتصدر‭ ‬إدانة‭ ‬مشددة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬على‭ ‬ارتكابها‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬بحق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ويوصي‭ ‬بتعليق‭ ‬عضويتها‭. ‬

 

كاتب‭ ‬بحريني