لماذا فاز ترامب؟

| رضي السماك

لم‭ ‬يكن‭ ‬فوز‭ ‬المرشح‭ ‬الجمهوري‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬مفاجئا‭ ‬كل‭ ‬الفجأة،‭ ‬لعوامل‭ ‬متشابكة‭ ‬متعددة،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمزاج‭ ‬الناخب‭ ‬الأميركي،‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬البيض‭ ‬منهم‭ ‬الذين‭ ‬تكرست‭ ‬في‭ ‬ثقافتهم‭ ‬رواسب‭ ‬وأعراف‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1776‭ ‬تتصل‭ ‬بالجندر‭ ‬والعرق،‭ ‬فقد‭ ‬تعودوا‭ ‬على‭ ‬انتخاب‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬البيض،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتصويت‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬عقاباً‭ ‬من‭ ‬خيبة‭ ‬أملهم‭ ‬في‭ ‬الديمقراطي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬ونائبته‭ ‬كمالا‭ ‬هارس،‭ ‬وكانت‭ ‬هزيمتها‭ ‬غير‭ ‬مستبعدة‭ ‬لضعف‭ ‬خبرتها‭ ‬السياسية،‭ ‬وكونها‭ ‬امرأة‭ ‬تنحدر‭ ‬من‭ ‬أُصول‭ ‬هندية‭ ‬أفريقية،‭ ‬وقد‭ ‬برع‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الوتر‭ ‬لتحفيز‭ ‬مزاج‭ ‬الناخبين‭ ‬البيض‭. ‬وسواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالقضايا‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تتصدر‭ ‬اهتمام‭ ‬وهموم‭ ‬الأغلبية‭ ‬من‭ ‬الطبقتين‭ ‬الوسطى‭ ‬والعاملة‭ ‬وسائر‭ ‬الفقراء‭ ‬والمهمشين،‭ ‬أم‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأوضاع‭ ‬الأميركيين‭ ‬من‭ ‬أُصول‭ ‬عربية،‭ ‬وكذلك‭ ‬موقف‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬المقبلة‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬ومصالح‭ ‬العرب‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يعوّل‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬إيجابي‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬الخارج‭ ‬مخطئ‭ ‬تماماً،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬سياسة‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أسوأ‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬سلفه‭ ‬بايدن،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يعلق‭ ‬آمالاً‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬سياسته‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أفضل‭ ‬واهم‭ ‬تماماً‭. ‬أحرص‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬المقال‭ ‬الأسبوعي‭ ‬للكاتب‭ ‬الأميركي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬جيمس‭ ‬زغبي،‭ ‬رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأميركي؛‭ ‬لما‭ ‬ينتهجه‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬واقعي‭ ‬معتدل‭ ‬في‭ ‬تحليله‭ ‬المعزز‭ ‬بالمعلومات‭ ‬القيّمة،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬دفاعه‭ ‬الدؤوب‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وحقوق‭ ‬العرب‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكن‭ ‬أجدني‭ ‬أختلف‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النقاط‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬صادف‭ ‬نشره‭ ‬يوم‭ ‬الانتخابات.

إذ‭ ‬هو‭ ‬عوّل‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬كاملا‭ ‬هاريس‭ ‬لحساب‭ ‬قضايا‭ ‬داخلية‭ ‬محذراً‭ ‬العرب‭ ‬الأميركيين‭ ‬من‭ ‬انتخاب‭ ‬ترامب‭ ‬باعتباره‭ ‬عنصرياً‭ ‬ومعادياً‭ ‬للعرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬وكذلك‭ ‬لكونه‭ ‬معادياً‭ ‬لحقوق‭ ‬المرأة‭ ‬وسائر‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬وغيرها‭. ‬وهو‭ ‬يبرر‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬اعترافه‭ ‬بمواقف‭ ‬بايدن‭ ‬المخزية‭ ‬من‭ ‬التواطؤ‭ ‬الإجرامي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬عام‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬زغبي‭ ‬فاته‭ ‬أن‭ ‬بايدن‭ ‬لم‭ ‬يحرك‭ ‬ساكناً‭ ‬غداة‭ ‬فوزه‭ ‬بالرئاسة‭ ‬2020‭ ‬إزاء‭ ‬قرارات‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬اتخذها‭ ‬سلفه‭ ‬ترامب‭ ‬تضرب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بعرض‭ ‬الحائط‭ ‬والمتعلقة‭ ‬باعترافه‭ ‬بالقدس‭ ‬عاصمة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وبشرعية‭ ‬الاستيطان،‭ ‬واعترافه‭ ‬بشرعية‭ ‬ضم‭ ‬الجولان‭ ‬السوري‭ ‬لها‭ ‬أيضاً،‭ ‬وقد‭ ‬تنبأنا‭ ‬حينئذ‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬مقال‭ ‬لنا‭ ‬غداة‭ ‬فوزه‭ ‬بأن‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬بايدن‭ ‬لن‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬إلغاء‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬المجانية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬سلفه‭ ‬لصديقة‭ ‬بلاده‭ ‬المدللة‭ ‬على‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حصل‭. ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يُنتظر‭ ‬من‭ ‬نائبته‭ ‬المرشحة‭ ‬المهزومة‭ ‬هاريس‭ ‬لو‭ ‬فازت،‭ ‬سوى‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬نهج‭ ‬رئيسها‭ ‬السابق،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجارية‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬أم‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الهمجي‭ ‬الوحشي‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬لبنان‭.‬

بالإضافة‭ ‬لما‭ ‬تقدم‭ ‬ذكره‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬ساعدت‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬فوزه،‭ ‬ثمة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬يتسع‭ ‬المجال‭ ‬هنا‭ ‬لاستعراضها،‭ ‬ولعل‭ ‬أهمها‭ ‬وقوف‭ ‬فئة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أساطين‭ ‬المال‭ ‬والمليارديرية‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬حملته‭ ‬باعتباره‭ ‬خير‭ ‬ممثل‭ ‬لمصالحهم،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬أغنى‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬مالك‭ ‬منصة‭ ‬“إكس”‭ ‬أهم‭ ‬منصة‭ ‬لحرية‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العالمي،‭ ‬وصاحب‭ ‬شركة‭ ‬خاصة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الصواريخ‭ ‬الفضائية‭ ‬ورئيس‭ ‬إدارة‭ ‬شركة‭ ‬“تسلا”،‭ ‬وجيف‭ ‬بيزوس‭ ‬مالك‭ ‬شركة‭ ‬أمازون‭ ‬وصحيفة‭ ‬“واشنطن‭ ‬بوست”،‭ ‬وباتريك‭ ‬سون‭ ‬شيونغ،‭ ‬قطب‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬دعمه‭ ‬له‭ ‬بشكل‭ ‬خفي‭ ‬غير‭ ‬معلن‭. ‬وتعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أكبر‭ ‬الدول‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬يضخ‭ ‬فيها‭ ‬أساطين‭ ‬المال‭ ‬أموالاً‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬الأميركية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬لمصالحهم‭ ‬الخاصة‭ ‬الضيقة،‭ ‬ويشير‭ ‬تقرير‭ ‬لصحيفة‭ ‬“الشرق‭ ‬الأوسط”‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المليارديرية‭ ‬الجُدد‭ ‬ازدادوا‭ ‬منذ‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الرئاسية‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬بنسبة‭ ‬38‭ %‬،‭ ‬مثلما‭ ‬ازداد‭ ‬التهرب‭ ‬الضريبي‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الكثير‭ ‬منهم،‭ ‬وكذلك‭ ‬خرقهم‭ ‬قانون‭ ‬منع‭ ‬الاحتكار‭. ‬وبعض‭ ‬هذه‭ ‬الاتهامات‭ - ‬كما‭ ‬نعلم‭ - ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬المنتخب‭ ‬القادم‭ ‬ملاحق‭ ‬رقابياً‭ ‬بسببها‭. ‬دعك‭ ‬عن‭ ‬عشرات‭ ‬الاتهامات‭ ‬الأخرى‭ ‬الملاحق‭ ‬فيها‭ ‬قضائياً،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬يتهافت‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مناصب‭ ‬حكومية‭ ‬بغرض‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النفوذ‭ ‬الذي‭ ‬توفره‭ ‬لهم‭ ‬هذه‭ ‬المناصب‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬ملاحقاتهم‭ ‬رقابياً،‭ ‬وليس‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬ما‭ ‬تهافت‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬الملياردير‭ ‬الرئيس‭ ‬المنتخب‭ ‬المقبل‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه،‭ ‬سواء‭ ‬خلال‭ ‬حملته‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬2016‭ ‬التي‭ ‬فاز‭ ‬بها‭ ‬بالرئاسة‭ ‬أم‭ ‬خلال‭ ‬حملته‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬توجته‭ ‬بالفوز‭.‬

وغير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬للمال‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يضخ‭ ‬لصالح‭ ‬كبار‭ ‬الرأسماليين،‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬لحملة‭ ‬هاريس‭ ‬وترامب،‭ ‬فمع‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الثاني‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬سوى‭ ‬أكثر‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحملتين‭ ‬غير‭ ‬متكافئتين‭ ‬عمليا‭ ‬بالنظر‭ ‬لوقوف‭ ‬أغنى‭ ‬كبار‭ ‬الرأسماليين‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ترامب،‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬تغلب‭ ‬على‭ ‬هاريس‭ ‬في‭ ‬استمالة‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬وأهمهم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬البزنس‭. ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬شكل‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عنها‭ ‬التكافؤ‭ ‬بين‭ ‬المتنافسين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتحكم‭ ‬بموجب‭ ‬مخرجات‭ ‬نظامها‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والانتخابي‭ ‬قلة‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬كبار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتربعين‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتغليب‭ ‬مصالحهم‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مصالح‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬وهم‭ ‬بمئات‭ ‬الملايين،‭ ‬وجلهم‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬والعمال‭ ‬وذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬والمعدمين‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬ذلك‭ ‬الهرم‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني