“الأونروا” والإبادة المستقبلية البطيئة

| رضي السماك

‭ على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬آلة‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬والتدمير‭ ‬المنهجي‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬العنصرية‭ ‬بحق‭ ‬أهالي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ماضية‭ ‬قُدمًا‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬أمام‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬العالم‭ ‬“المتحضر”‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تستطيع‭ ‬أية‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وقفها،‭ ‬بل‭ ‬بمباركة‭ ‬وتواطؤ‭ ‬قوى‭ ‬عظمى،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬الغربيون‭ ‬الكبار،‭ ‬أو‭ ‬بصمت‭ ‬أو‭ ‬تنديد‭ ‬لفظي‭ ‬خجول‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬قوى‭ ‬عظمى‭ ‬أُخرى،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يوفر‭ ‬أفضل‭ ‬غطاء‭ ‬لمجرمي‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬نحو‭ ‬تصعيد‭ ‬وحشية‭ ‬جرائمهم‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬مبالاة‭. ‬وإذ‭ ‬تكاد‭ ‬تتركز‭ ‬أنظار‭ ‬الرأي‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬نسف‭ ‬البيوت‭ ‬وإجبار‭ ‬سكانها‭ ‬على‭ ‬التهجير‭ ‬ثم‭ ‬قصف‭ ‬وإبادة‭ ‬المهجرين‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬الإيواء‭ ‬التي‭ ‬يزعم‭ ‬مجرمو‭ ‬الحرب‭ ‬أنها‭ ‬آمنة‭ ‬كذبًا،‭ ‬فإن‭ ‬أشكال‭ ‬هذه‭ ‬الإبادة‭ ‬تتعدد،‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬1‭- ‬القصف‭ ‬المنهجي‭ ‬لمستشفيات‭ ‬القطاع‭ ‬مرات‭ ‬ومرات،‭ ‬بغية‭ ‬تفويت‭ ‬أية‭ ‬فرصة‭ ‬لنجاة‭ ‬المصابين‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬لاسيما‭ ‬ذوو‭ ‬الإصابات‭ ‬الخطرة‭ ‬والبليغة‭. ‬2‭- ‬عرقلة‭ ‬إدخال‭ ‬قوافل‭ ‬الإمدادات‭ ‬الغذائية‭ ‬والعلاجية‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭. ‬3‭- ‬أما‭ ‬الشكل‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لأية‭ ‬جهة‭ ‬تناوله،‭ ‬فهو‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬ضحايا‭ ‬هذه‭ ‬الإبادة‭ ‬الصهيونية‭ ‬العالقين‭ ‬بين‭ ‬ركام‭ ‬البيوت‭ ‬والبنايات‭ ‬المنسوفة‭ ‬في‭ ‬النجاة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السماح‭ ‬بإدخال‭ ‬آلات‭ ‬حديثة‭ ‬تزيل‭ ‬الركام‭ ‬سريعًا،‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تعرض‭ ‬أكثرهم‭ ‬للهلاك‭ ‬بمضي‭ ‬الوقت،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أن‭ ‬أغلبهم‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭. ‬إن‭ ‬توفير‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬يُعد‭ ‬حقًّا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬ينبغي‭ ‬تشريعه‭ ‬دوليًّا‭ ‬بالسرعة‭ ‬القصوى،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬أداة‭ ‬تشريعية‭ ‬ذات‭ ‬آلية‭ ‬ترغم‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬الرضوخ‭ ‬لهذا‭ ‬الحق‭. ‬أما‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬تفتقت‭ ‬عنه‭ ‬عقلية‭ ‬الحقد‭ ‬العنصري‭ ‬الصهيوني‭ ‬الأعمى‭ ‬تجاه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فهو‭ ‬التخطيط‭ ‬لشكل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإبادة‭ ‬البطيئة‭ ‬لهذا‭ ‬الشعب‭ ‬يبدأ‭ ‬مع‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية،‭ ‬ويتمثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬برلمان‭ ‬اليمين‭ ‬العنصري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بحظر‭ ‬وكالة‭ ‬غوث‭ ‬اللاجئين‭ ‬“الأونروا”‭. ‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬تذكرنا‭ ‬الأهمية‭ ‬الفائقة‭ ‬لخدمات‭ ‬الأونروا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬القرن‭ ‬منذ‭ ‬إنشائها‭ ‬بقرار‭ ‬أُممي‭ ‬في‭ ‬1949‭ ‬غداة‭ ‬النكبة،‭ ‬لأدركنا‭ ‬خطورة‭ ‬القرار‭ ‬الفاشي‭ ‬العنصري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الإبادة‭ ‬المستقبلية‭ ‬البطيئة،‭ ‬وذلك‭ ‬تحت‭ ‬وهم‭ ‬إمكانية‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬مشكلة‭ ‬اللاجئين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬المشروع‭ ‬المثبّت‭ ‬دوليًّا‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬وطنهم‭ ‬فلسطين‭ ‬العربية‭ ‬ومعهم‭ ‬سائر‭ ‬فلسطينيي‭ ‬الشتات‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فهذه‭ ‬“الوكالة”‭ ‬تقدم‭ ‬خدمات‭ ‬إنسانية‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الأهمية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬لاجئ‭ ‬فلسطيني‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬58‭ ‬مخيمًا‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬والضفة‭ ‬والقطاع‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا،‭ ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات‭: ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬والتعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والمساعدات‭ ‬الغذائية‭ ‬والإغاثة‭ ‬والخدمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتوفير‭ ‬لوازم‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬حظر‭ ‬الأونروا‭ ‬سيحوّل‭ ‬حياة‭ ‬اللاجئين‭ ‬الجُدد‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬المحرقة‭ ‬الصهيونية‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭ ‬حقيقي،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬اللاجئين‭ ‬الأصليين‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬معظم‭ ‬سكان‭ ‬القطاع‭ )‬سكانه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليونين‭(.‬

ورغم‭ ‬الضجيج‭ ‬والفوضى‭ ‬العارمة‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬الأغلبية‭ ‬اليمينية‭ ‬العنصرية‭ ‬داخل‭ ‬الكنيست،‭ ‬للتشويش‭ ‬على‭ ‬مداخلات‭ ‬النواب‭ ‬العرب‭ ‬العشرة‭ ‬داخل‭ ‬الكنيست،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬وفي‭ ‬طليعتهم‭ ‬النائبة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عايدة‭ ‬توما‭ ‬سليمان‭ (‬من‭ ‬عرب‭ ‬48‭)‬،‭ ‬تمكنوا‭ ‬بشجاعة‭ ‬وبالدلائل‭ ‬والأسانيد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُدحض‭ ‬من‭ ‬فضح‭ ‬مرامي‭ ‬مخطط‭ ‬قرار‭ ‬حظر‭ ‬الأونروا‭ ‬والجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬المبيتة‭ ‬لتحين‭ ‬الفرصة‭ ‬لاتخاذه‭ ‬بلا‭ ‬وجه‭ ‬حق،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سبّب‭ ‬خروج‭ ‬نواب‭ ‬الأغلبية‭ ‬اليمينية‭ ‬عن‭ ‬طورهم،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكهم‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬لتمريره‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فعلوه‭. ‬ورغم‭ ‬الإدانات‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭ ‬لهذا‭ ‬القرار‭ ‬الخطير،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬بحاجة‭ ‬لضغوط‭ ‬عربية‭ ‬رسمية‭ ‬ودولية‭ ‬ملموسة‭ ‬وأقوى‭ ‬داخل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إزاء‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬يخشى‭ ‬منها‭ ‬التصويت‭ ‬بالفيتو،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬دفعها‭ ‬لتضغط‭ ‬على‭ ‬حليفتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬للتراجع‭ ‬عنه،‭ ‬باعتبار‭ ‬الأخيرة‭ ‬دولة‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬استمدت‭ ‬شرعيتها‭ ‬الدولية‭ ‬عام‭ ‬النكبة‭ ‬من‭ ‬قراراتها،‭ ‬فيما‭ ‬أضحت‭ ‬اليوم‭ ‬دولة‭ ‬عنصرية‭ ‬مارقة‭ ‬لا‭ ‬تتورّع‭ ‬عن‭ ‬هدم‭ ‬وكالة‭ ‬إنسانية‭ ‬تابعة‭ ‬لها‭ ‬هي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وظائفها‭ ‬الأُممية‭ ‬الإنسانية‭!.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني