المراجعة النقدية وقت الحروب

| رضي السماك

يظن‭ ‬كثيرون‭ ‬خطأ‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬إجراء‭ ‬مراجعات‭ ‬نقدية‭ ‬وقت‭ ‬الحروب‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬العدو،‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ثمة‭ ‬مقاومة‭ ‬للظلم‭ ‬والعدوان،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يرتكبه‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بحق‭ ‬الشعبين‭ ‬اللبناني‭ ‬والفلسطيني،‭ ‬وسبق‭ ‬أن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬نكسة‭ ‬67‭ ‬وقلنا‭ ‬إن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬ضد‭ ‬المراجعة‭ ‬النقدية‭ ‬هو‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬“لا‭ ‬صوت‭ ‬يعلو‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬المعركة”،‭ ‬لكنه‭ ‬وظفه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬انتقدت‭ ‬طريقة‭ ‬حكمه‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬النكسة‭. ‬وحينما‭ ‬ذكرنا‭ ‬الدروس‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬استفاد‭ ‬منها‭ ‬ناصر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أبدى‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭ ‬السابقين‭ ‬خيبتهم‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬مقالي‭ ‬الماضي‭ ‬لأنه‭ ‬“كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عشاق‭ ‬جمال‭ ‬عشاقا‭ ‬لنصرالله‭.. ‬لأن‭ ‬الأول‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬ماحقة‭ ‬والثاني‭ ‬قاد‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬انتصارين”‭! ‬هكذا‭ ‬جاء‭ ‬ردهم‭ ‬حرفياً،‭ ‬وهما‭ ‬انتصاران‭ ‬ملتبسان‭ ‬وبحاجة‭ ‬لوضعهما‭ ‬على‭ ‬مشرحة‭ ‬التحليل‭ ‬الموضوعي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سنتناوله‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬قادم‭. ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬زعماء‭ ‬الأحزاب‭ ‬فوق‭ ‬النقد؟‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬المحلل‭ ‬الصحافي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬يمليه‭ ‬عليه‭ ‬ضميره‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يرضي‭ ‬جميع‭ ‬القراء،‭ ‬إذ‭ ‬بوسعنا‭ ‬أن‭ ‬نؤثر‭ ‬طريق‭ ‬السلامة‭ ‬ونصمت،‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬متكتمين‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بصدورهم،‭ ‬فهل‭ ‬هذا‭ ‬يرضي‭ ‬المنتقدين؟

المصيبة‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬التنظيمين‭ ‬“حماس”‭ ‬و”حزب‭ ‬الله”‭ ‬إنما‭ ‬أعادا‭ ‬اجترار‭ ‬أخطاء‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والقوى‭ ‬الوطنية‭ ‬اللبنانية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬أخطائها،‭ ‬فالأول‭ ‬طفق‭ ‬يُجرّب‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية‭ ‬في‭ ‬الباصات‭ ‬والمقاهي‭ ‬والأسواق‭ ‬داخل‭ ‬“الكيان”‭ ‬ثم‭ ‬تخلى‭ ‬عنها‭ ‬بصمت،‭ ‬ليجرب‭ ‬فاعلية‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬وخلافها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬القطاع،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬الجديدة‭ ‬لم‭ ‬تثمر‭ ‬أيضاً‭ ‬للأسف،‭ ‬والثاني‭ ‬اندفع‭ ‬لتأييد‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬توّج‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬بقفزته‭ ‬الكبرى‭ ‬“طوفان‭ ‬الأقصى”‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬ولا‭ ‬حاجة‭ ‬بنا‭ ‬لاستعراض‭ ‬نتائجها‭ ‬الكارثية‭ ‬المتواصلة‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬برح‭ ‬الاحتلال‭ ‬يواصل‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬بحق‭ ‬القطاع،‭ ‬أما‭ ‬حصادها‭ ‬الكارثي‭ ‬فبات‭ ‬معروفاً‭ ‬للقاصي‭ ‬والداني،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كسبته‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬تأييد‭ ‬عالمي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬جراء‭ ‬الوحشية‭ ‬الصهيونية‭ ‬المفرطة‭ ‬تجاه‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭. ‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬“الكفاح‭ ‬المسلح”‭ ‬منذ‭ ‬نكبة‭ ‬1948‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عدمية‭ ‬نتائجه،‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الموضوعية‭ ‬ليس‭ ‬هنا‭ ‬موضع‭ ‬تناولها،‭ ‬مثلما‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬اللبنانية‭ ‬فشل‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬حسم‭ ‬الصراعات‭ ‬الطائفية‭ ‬أو‭ ‬الطبقية‭ ‬لإقصاء‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭. ‬ولعل‭ ‬الجزء‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬وعى‭ ‬عدمية‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬غداة‭ ‬النكبة‭ ‬هم‭ ‬“عرب‭ ‬48”‭ ‬فقد‭ ‬ظلوا‭ ‬متشبثين‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬بجذور‭ ‬ترابهم‭ ‬الوطني،‭ ‬وتبنت‭ ‬قواهم‭ ‬الوطنية‭ ‬النضال‭ ‬السلمي‭ ‬طريقاً‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقهم‭ ‬ومصالحهم،‭ ‬وانخرطوا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬النضال‭ ‬القانونية،‭ ‬رغم‭ ‬تخوينهم‭ ‬لتبنيهم‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬وحملهم‭ ‬الجنسية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وتمكنوا‭ ‬من‭ ‬إيصال‭ ‬نواب‭ ‬إلى‭ ‬“الكنيست”‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬انتخابات‭ ‬غداة‭ ‬تأسيس‭ ‬“الكيان”،‭ ‬كما‭ ‬تمكنوا‭ ‬عبر‭ ‬صحافتهم‭ ‬العلنية‭ ‬من‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬هويتهم‭ ‬وإحياء‭ ‬تراثهم‭ ‬العربي‭ ‬والفلسطيني،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬صفوفهم‭ ‬خرجت‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬وكبار‭ ‬المثقفين،‭ ‬أمثال‭ ‬توفيق‭ ‬زياد‭ ‬وسميح‭ ‬القاسم‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش‭ ‬ومحمد‭ ‬علي‭ ‬طه‭ ‬ومروان‭ ‬مخول‭ ‬وسليمان‭ ‬جبران‭ ‬وغيرهم‭.‬

ومن‭ ‬محاسن‭ ‬الصُدف‭ ‬أنني‭ ‬في‭ ‬الإجازة‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬“طرابزون”‭ ‬غداة‭ ‬التغريدة‭ ‬التي‭ ‬أحدثت‭ ‬زلزالاً‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬العارم‭ ‬لدى‭ ‬محبي‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الراحل‭ (‬وكانوا‭ ‬خليطاً‭ ‬عجيباً‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬القوى‭ ‬القومية‭ ‬واليسارية‭ ‬والشيوعية‭ ‬والإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬الشيعي‭) ‬أن‭ ‬تعرفت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬التركية‭ ‬على‭ ‬عائلة‭ ‬كبيرة‭ (‬عائلة‭ ‬أبوفخري‭) ‬من‭ ‬“عرب‭ ‬48”‭ ‬من‭ ‬سكنة‭ ‬مدينة‭ ‬الناصرة،‭ ‬وكانت‭ ‬لي‭ ‬معهم‭ ‬دردشات‭ ‬يومية‭ ‬ممتعة‭ ‬ومفيدة‭ ‬عند‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار‭ ‬حول‭ ‬القضايا‭ ‬الإشكالية‭ ‬الشائكة‭ ‬في‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬منذ‭ ‬النكبة‭ ‬حتى‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن،‭ ‬وودعتهم‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬السابع‭ ‬الأخير‭ ‬قائلاً‭: ‬“اطمئنوا‭ ‬أنتم‭ ‬الجزء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬سلطات‭ ‬الكيان‭ ‬من‭ ‬طردكم،‭ ‬ولن‭ ‬تفلح‭ ‬في‭ ‬إبادة‭ ‬أشقائكم‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الأخطاء‭ ‬القاتلة”‭.‬

وأياً‭ ‬كان‭ ‬طول‭ ‬الحرب‭ ‬الوحشية‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬يشنها‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان،‭ ‬فكل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تقطع‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬التنظيمين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬واللبناني‭ ‬“حماس”‭ ‬و”حزب‭ ‬الله”‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬بنفس‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العسكرية،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يبشر‭ ‬بالخير‭ ‬أنهما‭ - ‬حسب‭ ‬تقديري‭ - ‬قد‭ ‬يستوعبان‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ - ‬حينما‭ ‬تتوقف‭ ‬الحرب‭ ‬وتهدأ‭ ‬النفوس‭ - ‬دروس‭ ‬أخطائهما‭ ‬وهي‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬عدم‭ ‬الارتهان‭ ‬للخارج‭ (‬طهران‭)‬،‭ ‬مثلما‭ ‬اتعظ‭ ‬عبدالناصر‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الارتهان‭ ‬للخارج‭ (‬موسكو‭) ‬في‭ ‬حرب‭ ‬67،‭ ‬ولعل‭ ‬مطالبة‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬مؤخراً‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصحيح،‭ ‬وإن‭ ‬جاءت‭ ‬متأخرة،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬طالبنا‭ ‬به‭ ‬وأثار‭ ‬حنق‭ ‬الغاضبين‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني