بين ناصر.. ونصر الله

| رضي السماك

إثر‭ ‬نجاح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬اغتيال‭ ‬السيد‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬زعيم‭ ‬“حزب‭ ‬الله”‭ ‬راق‭ ‬لكثرة‭ ‬ممن‭ ‬صُدموا‭ ‬بالخبر،‭ ‬أن‭ ‬يشبهوا‭ ‬ظروف‭ ‬رحيله‭ ‬بظروف‭ ‬رحيل‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬إيماءً‭ ‬للفراغ‭ ‬الذي‭ ‬خلّفه‭ ‬كلاهما،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تيتم‭ ‬الأمة‭ ‬لرحيل‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ (‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬2024‭) ‬فيما‭ ‬آلة‭ ‬الإبادة‭ ‬الوحشية‭ ‬الصهيونية‭ ‬ماضية‭ ‬بلا‭ ‬كلل‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬حصد‭ ‬رؤوس‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وتيتم‭ ‬الأُمة‭ ‬إثر‭ ‬رحيل‭ ‬ناصر‭ (‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬1970‭) ‬في‭ ‬أوج‭ ‬مناخ‭ ‬هزيمة‭ ‬1967‭ ‬الظلامي‭ ‬الجاثم‭ ‬على‭ ‬الأُمة،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬أعلن‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬من‭ ‬الغارة‭ ‬تصفيته،‭ ‬وتبعه‭ ‬بعد‭ ‬سويعات‭ ‬إعلان‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬ممن‭ ‬راقت‭ ‬لهم‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الرجلين‭ ‬توهموا‭ ‬بأن‭ ‬رحيل‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬صادف‭ ‬يوم‭ ‬وفاة‭ ‬ناصر،‭ ‬ووضعوا‭ ‬في‭ ‬السوشال‭ ‬ميديا‭ ‬صورتيهما‭ ‬متقابلتين‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬أشد‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الزعيمين‭ ‬وبين‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تُوفيا‭ ‬فيها‭ ‬كلاهما،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬ناصر‭ ‬رحل‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬هزيمة‭ ‬قاصمة‭ ‬مؤلمة،‭ ‬لكنه‭ ‬تعلم‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬أخطائه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬النكسة،‭ ‬ومنها‭ ‬أهمية‭ ‬تقدير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وإسرائيل‭ ‬والمختلة‭ ‬بشدة‭ ‬لصالح‭ ‬الأخيرة‭ ‬عشية‭ ‬النكسة،‭ ‬فقد‭ ‬أحدث‭ ‬ناصر‭ ‬مرونة‭ ‬هائلة‭ ‬لم‭ ‬يُعرف‭ ‬بها‭ ‬طوال‭ ‬حكمه،‭ ‬فعشية‭ ‬حرب‭ ‬67‭ ‬قبِل‭ ‬بمبادرة‭ ‬سوفييتية‭ ‬للتفاوض‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لنزع‭ ‬فتيل‭ ‬الأزمة،‭ ‬لكن‭ ‬أحبطتها‭ ‬دمشق‭ ‬البعثية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬وغداة‭ ‬الحرب‭ ‬قام‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬اعتبرها‭ ‬عقبة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬مشروعه‭ ‬القومي،‭ ‬وقبِل‭ ‬الرجل‭ ‬بقرار‭ ‬242‭ ‬الأُممي‭ ‬القاضي‭ ‬بانسحاب‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬67،‭ ‬رغم‭ ‬زلزال‭ ‬المنظمات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬ضده‭ ‬وتخوينه‭ ‬لقبوله‭ ‬القرار،‭ ‬ووافق‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬مبادرة‭ ‬روجرز‭ ‬للتفاوض‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬القرار‭ ‬242،‭ ‬وإن‭ ‬عرقلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬وواشنطن‭ ‬بعدئذ‭ ‬سُبل‭ ‬عقد‭ ‬التفاوض،‭ ‬واتهم‭ ‬ناصر‭ ‬أيضًا‭ ‬هنا‭ ‬بالخيانة‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬من‭ ‬وافقوا‭ ‬على‭ ‬“أُوسلو”‭ ‬بعدئذ‭ ‬وتخلوا‭ ‬عن‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح،‭ ‬وناصر‭ ‬فعل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬قيامه‭ ‬بحرب‭ ‬استنزاف‭ ‬مع‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬القناة،‭ ‬وتحضيره‭ ‬لخطط‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء‭ ‬التي‭ ‬أوشكت‭ ‬على‭ ‬الانتهاء‭ ‬عند‭ ‬رحيله‭. ‬فماذا‭ ‬عن‭ ‬الحالة‭ ‬عند‭ ‬رحيل‭ ‬نصر‭ ‬الله؟‭. ‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬نتناول‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬ووطنه‭ ‬لبنان‭ ‬عشية‭ ‬اغتيال‭ ‬زعيمه‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬صدمة‭ ‬مباغتة‭ ‬لأعضائه،‭ ‬أقولها‭ ‬بكل‭ ‬تواضع‭ ‬لم‭ ‬أتفاجأ‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬وتوقعته‭ ‬تمامًا،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مقالي‭ ‬“ثلاث‭ ‬رسائل‭ ‬للتصعيد‭ ‬الإسرائيلي”‭ ‬المنشور‭ ‬هنا‭ ‬بتاريخ‭ ‬3‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬إثر‭ ‬نجاح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬اغتيال‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬فؤاد‭ ‬شكر،‭ ‬إذ‭ ‬قلت‭ ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬أرادت‭ ‬بهذا‭ ‬التصعيد‭ ‬توجيه‭ ‬إنذار‭ ‬للحزب‭ ‬بأنها‭ ‬إذ‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬قادته‭ ‬الميدانيين،‭ ‬فلن‭ ‬يهدأ‭ ‬لها‭ ‬بال‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬رأس‭ ‬في‭ ‬الحزب،‭ ‬وأن‭ ‬اغتيال‭ ‬شكر‭ ‬سيفضي‭ ‬إلى‭ ‬إرباك‭ ‬كل‭ ‬التحوطات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬اعتادها‭ ‬الحزب‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬عامًا‭ ‬لحماية‭ ‬قيادته،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تمامًا‭ ‬منذ‭ ‬وقعة‭ ‬“البيجر”‭ ‬وما‭ ‬سبقها‭ ‬وتلاها‭ ‬من‭ ‬اغتيال‭ ‬قيادات‭ ‬أُخرى‭ ‬في‭ ‬الحزب‭. ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬قرار‭ ‬ناصر‭ ‬خاطئًا‭ ‬بدخوله‭ ‬حرب‭ ‬67‭ ‬التي‭ ‬يعلم‭ ‬مسبقًا‭ - ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬مرارًا‭ - ‬لن‭ ‬يكسبها،‭ ‬معولًا‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬السوفييتي‭ ‬بتكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬حرب‭ ‬56،‭ ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬قرار‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬سليمًا‭ ‬باتخاذه‭ ‬قرار‭ ‬خوض‭ ‬حرب‭ ‬مساندة‭ ‬لغزة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬لحملها‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬أهاليها؟‭ ‬الجواب‭ ‬ببساطة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬العواطف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬حكيمًا‭ ‬البتة،‭ ‬ولم‭ ‬يؤدِ‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬تأثير‭ ‬يُذكر‭ ‬لحمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬غزة‭. ‬

ولقد‭ ‬دفع‭ ‬الشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬المنكوب‭ ‬جراء‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا‭ ‬للغاية‭ - ‬دماءً‭ ‬ودمارًا‭ ‬وتهجير‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ - ‬وهو‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬انفرد‭ ‬الحزب‭ ‬باتخاذه‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬أعلى‭ ‬السلطات‭ ‬المعنية‭ ‬باتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬خطير‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسلم‭ ‬أو‭ ‬الحرب،‭ ‬وحيث‭ ‬تطال‭ ‬نتائجه‭ ‬الكارثية‭ ‬كل‭ ‬الوطن،‭ ‬لا‭ ‬الجنوب‭ ‬وحده‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدمته،‭ ‬واتخذ‭ ‬القرار‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بلد‭ ‬معروف‭ ‬بتعدديته‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬ومؤسساته‭ ‬الشرعية‭ ‬الدستورية‭. ‬

وقلنا‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬أحدثت‭ ‬للأسف‭ ‬غضبًا‭ ‬عارمًا‭ ‬عند‭ ‬منتقديها‭: ‬ألا‭ ‬يكفي‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬فخرًا‭ ‬ووسامًا‭ ‬على‭ ‬صدره‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬من‭ ‬تضحيات‭ ‬هائلة‭ ‬طوال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قضية‭ ‬شقيقه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني؟‭ ‬أما‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لندع‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬يلتقط‭ ‬أنفاسه‭ ‬قليلًا‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬أسوأ‭ ‬محنة‭ ‬معيشية‭ ‬واقتصادية‭ ‬طاحنة‭ ‬في‭ ‬تاريخه؛‭ ‬ألا‭ ‬تكفيه‭ ‬موجات‭ ‬تلو‭ ‬الموجات‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬العدوانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والدماء‭ ‬والدمار‭ ‬والتهجير؟‭ ‬وما‭ ‬الجُرم‭ ‬بحق‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لو‭ ‬أُتيحت‭ ‬له‭ ‬الفرصة‭ ‬للتضامن‭ ‬معها‭ ‬بأشكال‭ ‬سلمية‭ ‬أخرى؟‭ ‬فلربما‭ ‬عادت‭ ‬بالنفع‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬الوسيلة‭ ‬العسكرية‭.‬

* كاتب‭ ‬بحريني