أدوات الحرب النفسية الجديدة

| رضي السماك

لم‭ ‬تعد‭ ‬ميادين‭ ‬الحروب‭ ‬النفسية‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والقوى‭ ‬المتنازعة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الجماهيرية‭ ‬التقليدية‭ - ‬كالإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والصحافة‭ - ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تمتد‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬السابق،‭ ‬لتشمل‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬الشمولية،‭ ‬صد‭ ‬دعاية‭ ‬الخصم‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬التقليدية‭ ‬بدعاية‭ ‬مضادة،‭ ‬أو‭ ‬بالتشويش‭ ‬فضائياً‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬أو‭ ‬كلها‭ ‬مجتمعةً،‭ ‬أو‭ ‬بحظر‭ ‬دخول‭ ‬صحافته‭ ‬وكتبه،‭ ‬فإن‭ ‬دعاية‭ ‬العدو‭ ‬بات‭ ‬بإمكانها‭ ‬اليوم؛‭ ‬بفضل‭ ‬الثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬“السوشال‭ ‬ميديا”‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬بسهولة‭ ‬بلا‭ ‬رقيب‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬مجتمع‭ ‬الخصم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬الدولة‭ ‬المستهدفة‭ ‬من‭ ‬حظرها،‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬يسرب‭ ‬صحافته‭ ‬وكتبه‭ ‬من‭ ‬خلالها‭. ‬اليوم‭ ‬تخوض‭ ‬الدول‭ ‬والقوى‭ ‬والأحزاب‭ ‬حروباً‭ ‬نفسية‭ ‬شرسة‭ ‬ميدانها‭ ‬“السوشال‭ ‬ميديا”‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العقول‭ ‬بما‭ ‬يلائم‭ ‬مصالحها‭ ‬وأجنداتها،‭ ‬أو‭ ‬لضعضعة‭ ‬ثقة‭ ‬الخصم‭ ‬بقواه‭ ‬الذاتية‭ ‬توطئة‭ ‬لشلها‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وبهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحروب‭ ‬النفسية‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تفضي‭ ‬لنشوب‭ ‬الحروب‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬ممهدة‭ ‬لها‭.‬

وثمة‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬للدعاية‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬خطورةً‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬ويتمثل‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬باتت‭ ‬تتيح‭ ‬لموجّه‭ ‬الدعاية‭ ‬إمكانيات‭ ‬فنية‭ ‬هائلة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬التلاعب‭ ‬بالحقائق‭ ‬بصورة‭ ‬بارعة‭ ‬محكمة‭ ‬الإتقان،‭ ‬بل‭ ‬وصناعة‭ ‬الأكاذيب‭ ‬بصورة‭ ‬مذهلة‭ ‬لتبدو‭ ‬حقائق‭ ‬مسلما‭ ‬بها‭ ‬تنطلي‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬شريحة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وعلى‭ ‬أنصاف‭ ‬المثقفين،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬نسبة‭ ‬معتبرة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المثقفين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لمسته‭ ‬شخصياً‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬طويلة‭ ‬لوسائط‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬“الواتساب”،‭ ‬وهذا‭ ‬الميدان‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الصراع‭ ‬الدعائي‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬والقوى‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تقتحمه‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭ ‬متضاربة‭ ‬المصالح،‭ ‬ومن‭ ‬صور‭ ‬دعاياتها‭: ‬فبركة‭ ‬الفيديوهات‭ ‬وعناوين‭ ‬الصحف‭ ‬والمقالات‭ ‬والرسائل‭ ‬الحكومية‭ ‬المزورة‭ ‬التي‭ ‬يُزعم‭ ‬تسريبها،‭ ‬والتصريحات‭ ‬والأحاديث‭ ‬لزعماء‭ ‬وشخصيات‭ ‬قيادية،‭ ‬وإذ‭ ‬جهدتُ‭ ‬في‭ ‬التنبيه‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والمعارف‭ ‬بزيف‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬نماذجها‭ ‬المخاتلة،‭ ‬اتضحت‭ ‬لي‭ ‬عبثية‭ ‬ما‭ ‬أقوم‭ ‬به،‭ ‬لما‭ ‬يستنزفه‭ ‬مني‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬وجهد،‭ ‬فمالم‭ ‬يتمتع‭ ‬المتلقي‭ ‬بوعي‭ ‬ذاتي‭ ‬معمق‭ ‬ويقظة‭ ‬كبيرة‭ ‬فإنه‭ ‬سيقع‭ ‬حتماً‭ ‬في‭ ‬شراكها‭!.‬