ضجة “أولاد حارتنا”

| رضي السماك

تحل‭ ‬بعد‭ ‬غد‭ ‬الذكرى‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬لرحيل‭ ‬الأديب‭ ‬المصري‭ ‬الكبير‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬عميد‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬الفائز‭ ‬بجائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب‭ ‬1988،‭ ‬ورغم‭ ‬مضي‭ ‬15‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬وفاته‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬طيفه‭ ‬ما‭ ‬برح‭ ‬حاضراً‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية،‭ ‬إنْ‭ ‬بأعماله‭ ‬الروائية‭ ‬العظيمة،‭ ‬أو‭ ‬بكتاباته‭ ‬العقلانية‭ ‬الرصينة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تفجر‭ ‬أسئلة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬شتى‭ ‬الأصعدة‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬فلا‭ ‬غرو‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬توالي‭ ‬إصدارات‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬بطبعات‭ ‬جديدة،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬أيضاً‭ ‬توالي‭ ‬الكتابات‭ ‬والكتب‭ ‬عن‭ ‬أعماله‭.‬

ولعل‭ ‬رواية‭ ‬“أولاد‭ ‬حارتنا”‭ ‬التي‭ ‬نُشرت‭ ‬على‭ ‬حلقات‭ ‬في‭ ‬الأهرام‭ ‬عام‭ ‬1959‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬أعماله‭ ‬إثارة‭ ‬للضجة‭ ‬وقت‭ ‬نشرها،‭ ‬ومع‭ ‬أنها‭ ‬هدأت‭ ‬طوال‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات،‭ ‬لكنها‭ ‬منذ‭ ‬اغتيال‭ ‬الرئيس‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬1981‭ ‬بُعثت‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬تصاعد‭ ‬موجة‭ ‬التطرف‭ ‬الديني‭ ‬وقتذاك‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬وبسبب‭ ‬تلك‭ ‬الرواية‭ ‬كاد‭ ‬محفوظ‭ ‬عام‭ ‬1994‭ ‬يفقد‭ ‬حياته‭ ‬بعد‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬نيله‭ ‬“نوبل”‭ ‬إثر‭ ‬محاولة‭ ‬شاب‭ ‬متطرف‭ ‬اغتياله‭ ‬بتوجيه‭ ‬طعنة‭ ‬إلى‭ ‬رقبته‭ ‬أمام‭ ‬منزله،‭ ‬ورغم‭ ‬تشافيه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الطعنة‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬يده‭ ‬اليمنى‭ ‬وشلت‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭.‬

وحينما‭ ‬مثُل‭ ‬المتهم‭ ‬أمام‭ ‬القاضي‭ ‬اعترف‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬كفّرها‭ ‬وكاتبها‭ ‬بل‭ ‬سمع‭ ‬عنها‭! ‬والحال‭ ‬حتى‭ ‬الأوساط‭ ‬الأزهرية‭ ‬التي‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬أبدت‭ ‬استياءها‭ ‬وقت‭ ‬نشر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬حلقاتها‭ ‬في‭ ‬الأهرام‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تستكمل‭ ‬بعد،‭ ‬وحين‭ ‬علِم‭ ‬رئيس‭ ‬تحريرها‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬بوصول‭ ‬الاستياء‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬الحمهورية‭ ‬عجّل‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بنشر‭ ‬بقية‭ ‬حلقاتها‭ ‬يومياً‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬يومية،‭ ‬وحسب‭ ‬الناقد‭ ‬الراحل‭ ‬رجاء‭ ‬النقاش‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬الأزهر‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ (‬2008‭) ‬قراراً‭ ‬رسمياً‭ ‬مكتوباً‭ ‬إزاء‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬لها‭ ‬الصفحة‭ ‬الأدبية‭ ‬لصحيفة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬حلقاتها‭ ‬الأولى‭ ‬تفاسير‭ ‬تكفرها‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬مقصد‭ ‬الكاتب‭ ‬وعلى‭ ‬غير‭ ‬فهم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يقرأها‭ ‬بعين‭ ‬موضوعية‭ ‬محايدة‭ ‬غير‭ ‬متسرعة،‭ ‬كانت‭ ‬خلاصة‭ ‬الرواية‭ ‬تنتصر‭ ‬للعلم‭ ‬كأداة‭ ‬لتطور‭ ‬مصر‭ ‬والمجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬فلم‭ ‬يضع‭ ‬كاتبها‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬تعارض‭ ‬مع‭ ‬الدين‭ ‬ولا‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬تعارض‭ ‬مع‭ ‬الأول‭.‬