أميركا في مرآة مطار كابول

| رضي السماك

فيض‭ ‬من‭ ‬التعليقات‭ ‬الإعلامية‭ ‬والصور‭ ‬تابعتها‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬تضمنت‭ ‬تشبيه‭ ‬فرار‭ ‬الأميركيين‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬كابول‭ ‬بفرارهم‭ ‬من‭ ‬فيتنام‭ ‬1975،‭ ‬لكن‭ ‬أكثرها‭ ‬مدعاة‭ ‬للاشمئزاز‭ ‬ما‭ ‬صرح‭ ‬به‭ ‬مراسل‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬كابول‭ ‬مشبهاً‭ ‬مشهد‭ ‬الطائرة‭ ‬التي‭ ‬تشبث‭ ‬بها‭ ‬الأفغانيون‭ ‬وهي‭ ‬تقلع‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬بمشهد‭ ‬آخر‭ ‬طائرة‭ ‬أميركية‭ ‬أقلعت‭ ‬من‭ ‬سايجون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الهزيمة‭ ‬التاريخية‭ ‬المدوية‭ ‬التي‭ ‬مُنيت‭ ‬بها‭ ‬أميركا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬وأفقر‭ ‬شعوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وبأسلحة‭ ‬جلها‭ ‬تقليدية،‭ ‬فيما‭ ‬جربت‭ ‬معه‭ ‬لإخناعه‭ ‬كل‭ ‬أسلحة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬النووي،‭ ‬إذ‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬حكراً‭ ‬عليها‭ ‬حينئذ‭ - ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬حين‭ ‬أبادت‭ ‬مدينتي‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجازاكي‭ ‬اليابانيتين‭ ‬في‭ ‬بضع‭ ‬ثوان‭ - ‬لما‭ ‬تورعت‭ ‬عن‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭.‬

ولئن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الفيتنامي‭ ‬هي‭ ‬المسحوقة‭ ‬كرامة،‭ ‬فإن‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الطائرة‭ ‬الأميركية‭ ‬المقلعة‭ ‬دون‭ ‬اكتراث‭ ‬بحياة‭ ‬المتعلقين‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬المسحوقة‭ ‬كرامته،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬ذاته‭ ‬قد‭ ‬عرىٰ‭ ‬بامتياز‭ ‬أخلاق‭ ‬أميركا،‭ ‬وحتى‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬التباكي‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬المهدورة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الغربية‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬إزاء‭ ‬جريمة‭ ‬قبطان‭ ‬الطائرة‭ ‬الذي‭ ‬أقلع‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬المطار‭ ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬جيداً‭ ‬بوجود‭ ‬بشر‭ ‬بالعشرات‭ ‬ممسكين‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الخارج‭!‬

على‭ ‬أن‭ ‬مشهد‭ ‬حشود‭ ‬الأفغانيين‭ ‬بالآلاف‭ ‬في‭ ‬المطار‭ ‬للفرار‭ ‬من‭ ‬وطنهم‭ ‬ومشهد‭ ‬إقلاع‭ ‬تلك‭ ‬الطائرة‭ ‬الأميركية‭ ‬لا‭ ‬يخلوان‭ ‬من‭ ‬مغزى؛‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إذ‭ ‬تركت‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني‭ ‬وحيداً‭ ‬بمصيره‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬طالبان‭ ‬بلا‭ ‬حماية‭ ‬بعد‭ ‬20‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬والناتو‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬بحجة‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬وإقامة‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬له‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬سوى‭ ‬نظام‭ ‬فاسد‭ ‬هش،‭ ‬فإن‭ ‬رهانهم‭ ‬على‭ ‬تطمينات‭ ‬كلامية‭ ‬مخاتلة‭ ‬أصدرها‭ ‬قادة‭ ‬طالبان‭ ‬إثر‭ ‬دخولهم‭ ‬العاصمة‭ ‬كشف‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬ريائهم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬وانتهازية‭ ‬الدوحة‭ ‬وأنقرة‭ ‬وموسكو‭ ‬وبكين‭ ‬لتهافت‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬بقصب‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الجديد،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬في‭ ‬وعود‭ ‬سلطة‭ ‬يفر‭ ‬شعبها‭ ‬منها‭ ‬بالآلاف‭ ‬فور‭ ‬دخولها‭ ‬كابول‭ ‬ولا‭ ‬تعبأ‭ ‬بدلالات‭ ‬ذلك؟‭.‬