فن الإبداع في تفويت الفرص

| رضي السماك

أحد‭ ‬التعريفات‭ ‬الجميلة‭ ‬لعلم‭ ‬السياسة‭ ‬الذي‭ ‬درسناه‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬الجامعة‭ ‬أنه‭ ‬“فن‭ ‬الممكن”،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني،‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬لي‭ ‬تعريفه‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬هو‭ ‬“فن‭ ‬الممكن‭ ‬لأية‭ ‬دولة‭ ‬تمارسه‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المختلفة”‭ ‬وخصوصا‭ ‬مع‭ ‬جيرانها،‭ ‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬نجد‭ ‬إيران‭ ‬الجارة‭ ‬تعمل‭ ‬حثيثاً‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬نظامها‭ ‬الحالي‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬على‭ ‬فن‭ ‬تفويت‭ ‬أية‭ ‬فرص‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬لتطوير‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬جيرانها‭ ‬المشوبة‭ ‬بالتوتر،‭ ‬وهذه‭ ‬الفرص‭ ‬لم‭ ‬تلح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬رحيل‭ ‬مرشدها‭ ‬الإمام‭ ‬الخميني‭ ‬عام‭ ‬1989،‭ ‬والشواهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عديدة‭ ‬لكن‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬انفراج‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات‭ ‬وأوائل‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬تتوج‭ ‬بزيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬هاشمي‭ ‬رفسنجاني‭ ‬للرياض‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬وزيارة‭ ‬خلفه‭ ‬الرئيس‭ ‬محمد‭ ‬خاتمي‭ ‬للرياض‭ ‬نفسها‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬ثم‭ ‬زيارته‭ ‬المنامة‭ ‬في‭ ‬2003،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تولى‭ ‬الرئاسة‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬الرئيس‭ ‬المحافظ‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬المعروف‭ ‬بتشدده‭ ‬وضيق‭ ‬أفقه‭ ‬السياسي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬بعده‭ ‬هو‭ ‬الإصلاحي‭ ‬حسن‭ ‬روحاني‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الإيرانية‭  ‬الخليجية‭ ‬بلغت‭ ‬ذروة‭ ‬توترها‭ ‬قبيل‭ ‬مجيئه،‭ ‬وأضحت‭ ‬مرشحة‭ ‬لتفاقم‭ ‬أعظم‭ ‬بتولي‭ ‬الرئاسة‭ ‬مؤخراً‭ ‬الرئيس‭ ‬المحافظ‭ ‬المتشدد‭ ‬إبراهيم‭ ‬رئيسي‭ ‬المتهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الدولية‭ ‬بانتهاكات‭ ‬جسيمة‭ ‬بحق‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬شعبه‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬قاضياً،‭ ‬علماً‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬مفاتيح‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬هرم‭ ‬النظام‭ ‬هو‭ ‬المرشد‭ ‬الحالي‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭ ‬الذي‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬سلفه‭ ‬تطرفاً‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬إن‭ ‬تحسين‭ ‬إيران‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬جيرانها‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬أشبه‭ ‬بالمعجزة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المناخ‭ ‬السياسي‭ ‬السائد‭ ‬المتلبد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الساعة‭ ‬بالغيوم‭ ‬الكثيفة‭ ‬المخيفة‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬خليجنا‭ ‬العربي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تعمل‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬على‭ ‬بذل‭ ‬أقصى‭ ‬جهودها‭ ‬لتهيئة‭ ‬الأجواء‭ ‬لتحقيق‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الانعطافة،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬شعبها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬كذلك‭ ‬تأمين‭ ‬مستقبل‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نبالغ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قلنا‭ ‬إنه‭ ‬بدأ‭ ‬العد‭ ‬العكسي‭ ‬الفعلي‭ ‬لانهياره‭.‬