الجائحة وسفن الرحمة

| رضي السماك

في‭ ‬أواخر‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬أعلنت‭ ‬الصين‭ ‬تدشينها‭ ‬“سفينة‭ ‬الرحمة‭ ‬العالمية”‭ ‬التي‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬أكبر‭ ‬مستشفى‭ ‬عائم‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬يبلغ‭ ‬طولها‭ ‬174‭ ‬مترا،‭ ‬وتحتوي‭ ‬على‭: ‬6‭ ‬غرف‭ ‬عمليات،‭ ‬150‭ ‬سريراً،‭ ‬وتستوعب‭ ‬600‭ ‬متدرب،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الطاقم‭ ‬الطبي‭ ‬والتمريضي‭ ‬الأساسي‭ ‬الضخم،‭ ‬وقد‭ ‬استغرقت‭ ‬شركة‭ ‬سويدية‭ ‬في‭ ‬بنائها‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬بتكلفة‭ ‬قدرها‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬بتمويل‭ ‬من‭ ‬متبرعين‭ ‬صينيين‭. ‬المستشفى‭ ‬العائم‭ ‬مجهز‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬المعدات‭ ‬الطبية‭ ‬والصحية‭ ‬المتطورة،‭ ‬وذُكر‭ ‬أنها‭ ‬ستتجه‭ ‬إلى‭ ‬بلجيكا‭ ‬لتزويدها‭ ‬بالمعدات‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬ستتجه‭ ‬إلى‭ ‬السنغال،‭ ‬وقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬منظمة‭ ‬الرحمة‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬انطلاقته‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬إطلاق‭ ‬سفن‭ ‬الرحمة‭ ‬للأعمال‭ ‬التطوعية‭ ‬والإغاثات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الطبية‭ ‬والصحية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة؛‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬برزت‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭ ‬مطلع‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الآفل،‭ ‬حينما‭ ‬صممت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬سفينة‭ ‬“ميرسي”‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬باشرت‭ ‬عملها‭ ‬أواسط‭ ‬الثمانينيات‭ ‬لتوفير‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬تتواجد‭ ‬فيها‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إسناد‭ ‬مهمات‭ ‬إغاثة‭ ‬إنسانية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وهذه‭ ‬السفينة‭ ‬مزودة‭ ‬بألف‭ ‬سرير‭ ‬وبإمكانها‭ ‬استقبال‭ ‬200‭ ‬مريض‭ ‬يومياً،‭ ‬ويستطيع‭ ‬طاقمها‭ ‬الطبي‭ ‬إجراء‭ ‬معظم‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الظروف‭ ‬البحرية‭ ‬الصعبة،‭ ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فإن‭ ‬مهماتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬تخضع‭ ‬لمصالح‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭. ‬

مشروع‭ ‬سفن‭ ‬الرحمة‭ ‬هو‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬مشروع‭ ‬رائع‭ ‬إنسانياً‭ ‬لاسيما‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يخضع‭ ‬للتسييس،‭ ‬لكن‭ ‬ودون‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬الأدوار‭ ‬الإغاثية‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السفن‭ ‬الجبارة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬علاج‭ ‬المرضى‭ ‬المعوزين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأمراض‭ ‬الفتاكة؛‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يُعرف‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬تقدم‭ ‬مساعدات‭ ‬طبية‭ ‬إنسانية‭ ‬للبلدان‭ ‬الفقيرة‭ ‬المنكوبة‭ ‬بجائحة‭ ‬كورونا‭ ‬بنسخها‭ ‬المتحورة،‭ ‬حيث‭ ‬تواجه‭ ‬نقصاً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬اللقاحات‭ ‬وضعفاً‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬الاستشفائية‭ ‬والطبية،‭ ‬ويقيناً‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬منظمة‭ ‬سفن‭ ‬الرحمة‭ ‬تتبنى‭ ‬بالفعل‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬المهمات‭ - ‬كما‭ ‬يُفترض‭ - ‬فإنها‭ ‬تُسدي‭ ‬بذلك‭ ‬خدمة‭ ‬إنسانية‭ ‬جليلة‭ ‬في‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬التسريع‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬الجائحة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬المعمورة‭.‬