الصحافة وإعلانات “السوشال ميديا”

| رضي السماك

لم‭ ‬تتعرض‭ ‬“السوشال‭ ‬ميديا”‭ ‬لغزو‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬اختراع‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬كما‭ ‬تعرضت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬وبكثافة‭ ‬منقطعة‭ ‬النظير،‭ ‬حتى‭ ‬أضحت‭ ‬بمجملها‭ ‬تشكل‭ ‬امبراطورية‭ ‬الإعلانات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بلا‭ ‬منازع،‭ ‬وتدر‭ ‬عليها‭ ‬أرباحا‭ ‬فلكية‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭. ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬الصحافة‭ ‬الحديثة‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأولى‭ ‬لعرض‭ ‬الإعلانات‭ ‬التجارية‭ ‬منذ‭ ‬نشأتها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وبعد‭ ‬اختراع‭ ‬الراديو‭ ‬والتلفزيون‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬نفسه‭ ‬ودخولهما‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؛‭ ‬وولوجهما‭ ‬حلبة‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬الصحافة‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الإعلان‭ ‬تأثرت‭ ‬الصحافة‭ ‬بالمزاحمة‭ ‬نسبيا،‭ ‬لتمتعها‭ ‬بخاصية‭ ‬عرض‭ ‬بعض‭ ‬الإعلانات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يلائم‭ ‬عرضها‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأخرى،‭ ‬فظلت‭ ‬تتمتع‭ ‬بمردود‭ ‬ممتاز‭ ‬أو‭ ‬جيد‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬يدر‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الإعلانات‭ ‬ويعوضها‭ ‬عن‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وأجور‭ ‬العاملين‭ ‬فيها؛‭ ‬فضلاً‭ ‬عما‭ ‬يدره‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أرباح‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬أو‭ ‬المساهمين‭ ‬فيها‭.‬

وجاء‭ ‬عصر‭ ‬الفضائيات‭ ‬ليشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬جدياً‭ ‬في‭ ‬مزاحمة‭ ‬الصحافة،‭ ‬أما‭ ‬وقد‭ ‬حل‭ ‬عصر‭ ‬“السوشال‭ ‬ميديا”،‭ ‬فقد‭ ‬غدت‭ ‬هذه‭ ‬المنافس‭ ‬الخطير‭ ‬للصحافة‭ ‬وسائر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأخرى،‭ ‬وكان‭ ‬لظهور‭ ‬الصحافة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬تأثير‭ ‬أيضاً،‭ ‬حتى‭ ‬شهدنا‭ ‬بأسىٰ‭ ‬بالغ‭ ‬مأساة‭ ‬إغلاق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصحف‭ ‬العالمية‭ ‬والعربية‭ ‬الورقية‭ ‬العريقة‭ ‬بعد‭ ‬إفلاسها‭ ‬ولجوء‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬الاستعاضة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بتحولها‭ ‬إلى‭ ‬إلكترونية،‭ ‬لكن‭ ‬المتضرر‭ ‬الأول‭ ‬مزاجياً‭ ‬المليارات‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬الذين‭ ‬يُفرض‭ ‬عليهم‭ ‬الإعلان‭ ‬إجباريًا‭ ‬أو‭ ‬الدفع‭ ‬مقابل‭ ‬حجبه؛‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬قطع‭ ‬مادة‭ ‬الفيديو‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬مرتين،‭ ‬ثم‭ ‬أضحى‭ ‬لعدة‭ ‬مرات‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬سبع‭: ‬فأنت‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬فتح‭ ‬أي‭ ‬فيديو‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أهميته‭ ‬القصوى‭ ‬العلمية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭ ‬لك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بإعلان،‭ ‬فإن‭ ‬أردت‭ ‬مسحه‭ ‬استغرقت‭ ‬منك‭ ‬العملية‭ ‬بضع‭ ‬ثوان،‭ ‬دع‭ ‬عنك‭ ‬مرات‭ ‬القطع‭ ‬التالية‭ ‬المفضية‭ ‬لإزعاجك،‭ ‬والطريف‭ ‬أن‭ ‬الفيديوهات‭ ‬ذات‭ ‬الإعلانات‭ ‬المقطعة‭ ‬لا‭ ‬تستثني‭ ‬الموسيقى‭ ‬الهادئة؛‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬موسيقى‭ ‬الاسترخاء‭ ‬الذهني‭ ‬المخصصة‭ ‬للقراءة‭ ‬أو‭ ‬النوم‭!.‬