عن مكارم الأخلاق : صلة رحم العلم والمساجد (15)

| د. بثينة خليفة قاسم

استلهاماً من الطرح الجليّ الذي قدّمه فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم محمد الحادي، يغدو من الأهمية بمكان التعبير عن التقدير لفكرة لافتة وردت في أحد دروسه العلمية الأسبوعية؛ إذ أشار فضيلته إلى الوفاء الخالد الذي يجب أن يُبدى للعلماء والدعاة الراحلين بوصفه "صلةَ رحم العلم والمساجد". 

وحقيقةً، فقد شكّلت هذه الفكرة الحافز الرئيس لكتابة هذا العمود الصحفي، لِما تحمله من دلالات مهمة ترتبط بالروابط النورانية التي تجمع بين الناس. وحسب تفسيري لهذا المصطلح، فإنه ينطوي على وجود صلة وثيقة بين العلم المشترك والمنابر، والتي يمكن اعتبارها من نَسَب المحاريب، ولا يمكن لزمان أو تاريخ أن يفرّق بينها.

وبادئ ذي بدء،  تجدر الإشارة إلى أن هذا الدرس الاستثنائي قد أُلقي بعد صلاة  العشاء من يوم السبت الموافق 6 يونيو لعام 2026 في رحاب جامع "سبيكة الأنصاري" العامر.  حيث كان الموقف مشهداً بليغاً لاستخلاص العِبر من الحياه ، فضلاً عن إظهار قيم الوفاء لقامة متميزة أخرى أفنت حياتها في نشر مبادئ الإسلام، وهو فضيلة الشيخ سلطان سعيد بلال (رحمه الله).

ومما لا شك فيه، فإن مثل هذه الفكرة خليقة بأن تترك صدى في عقل المرء وتلامس وجدانه، فالعلم بمثابة رَحِم بين أهله، والمساجد تعمل كصروح تجمع القلوب على العبادة. وفي هذا السياق، حين يرحل العلماء أو الدعاة عن دنيانا، فإنه من الأهمية بمكان إظهار الوفاء نحوهم كجزء من توقير صلة رَحِمِ العلم والمساجد.

وفي الوقت نفسه، فإن الوقوف على سيرة هذا الرجل وجهوده المبذولة في مجال الدعوة، يبعث في النفس إجلالاً كبيراً لهذا الشيخ الجليل، ولا سيما أن الأنباء الواردة عن وفاته، والتي وافقت يوم الجمعة المبارك 5 يونيو، تشير إلى أن روحه قد فارقت جسده على نحوٍ يليق بالصالحين، حيث انتقل الشيخ سلطان سعيد بلال إلى جوار ربه وهو يؤدي الصلاة، ساجداً خلال سنة الظهر في جامع السوق بالرفاع الشرقي. لقد كان سفيراً دؤوباً للإسلام، وشخصية بارزة في جمعية "اكتشف الإسلام"، وبذل جهوداً مشهودة في نشر تعاليم الدين الحنيف بين الجاليات والمسلمين الناطقين بغير العربية.

وبناءً على ذلك، فإن الحديث عن صلة رحم العلم والمساجد يعيدنا إلى جوهر المسألة؛ وهو أن حبال الوفاء يجب أن تبقى ممتدة حتى بعد رحيل العلماء والدعاة، فهم لا يتركون مجرد أجساد غادرت، بل يورثون إرثاً روحياً غنياً يهتدي به محبوهم وأتباعهم.

رحم الله فضيلة الشيخ سلطان سعيد بلال، وأسكن روحه فسيح جناته ومنازل الصديقين والشهداء. والابتهال للمولى أن يمنّ بجميل الصبر والسلوان على ورثته الأبرار وأبنائه الكرام: مجاهد، والحارث، وصهيب، والمعتصم، وقتادة في مصابهم الجلل. وجزى الله خيراً فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم الحادي على دروسه وتوجيهه، وعلى صياغة هذه الفكرة البديعة التي ألهمتني كتابة هذا العمود.