القانون هل يجرِّم أعمال السحر والعرافة؟
بعضهن يغرقن في مستنقع الجهل ويتخذن من أوكار السحر والشعوذة حلاً أزلياً لمشكلاتهن الزوجية أو العائلية أو المهنية وما شابه، رغم أنهن من المثقفات والمتعلمات ويشغلن مناصب معروفة، في حين تبحث الأخريات عن الدجالين الذي يستعينون بالقرآن الكريم، ويقرأون ما بين سطور آيات الله ليفكوا السحر و”العمل” باسم القرآن. وما ترتكبه هذه الأيدي من أعمال محرمة حوربت بشدة في مجلس النواب البحريني على يد النائب محمد خالد من خلال إصراره على سن قانون تجريم السحر والشعوذة، بقوله إن أكثر المشعوذات من النساء اللواتي يقمن بالأعمال السيئة التي تفرق بين الزوج وزوجته، مما دفعني للإصرار على طرح الموضوع وتباحثه داخل القبة النيابية.
السحر حرمني من الزواج
تروي رنا محمد (عازبة، 29 سنة) قصتها التي عانت منها الأمرين بسبب إصابتها بالسحر، بالقول “كنت أفصح عن همومي ومشاكلي لأعز صديقاتي خاصة عن مشاكل الحب، كنت مرتبطة بعلاقة عاطفية مع شخص، وكان على وشك خطبتي وكنت لا “أشك الخيط بالإبرة” إلا وآخذ رأيها لحل المشكلة. وفي نهاية الأمر، لاحظت أن الشخص الذي أحبه يبتعد عني وأصبح يصرخ في وجهي ويتلفظ أمامي بكلمات نابية لا تحتملها أنثى، لأكتشف أن أعز صديقاتي أسرته بحبها وقام بخطبتها والزواج منها بسبب أعمال السحر التي قامت بها. اكتشفت ذلك كله بعد أن ذهبت للعلاج لدى شيخ دين، وهو الذي أخبرني بعد قراءة القرآن الكريم لأسابيع عدة، بأنني نلت نصيباً كبيراً من السحر فلا يمكنني أن ارتبط بأي شخص إلا بفك هذا السحر، عندها اتضحت لي أسباب عدم رغبتي في الزواج كلما جاء الخطاب ليطرقوا باب بيتي”.
الدول المتقدمة تستشير المنجمين!
دكتورة الإعلام والعلاقات العامة بجامعة البحرين هدى المطاوعة تقول “من خلال قراءاتي المتعددة تبين أن السحر والشعوذة موجودان حتى في المجتمعات المتقدمة, فمثلاً فقد كان شائعاً عن زوجة الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان بأنها تستشير العرافين, وتأخذ برأي المنجمين, وهذا نوع من الشعوذة... إن استشارة الأبراج من قبل بعض الناس يعد نوعا من الرفاهية ولكن هناك بعض الناس الذين يتبعون ما يقرأونه في الأبراج بطريقة مبرمجة”.
وترى د. هدى “أن الإنسان الواعي يجب أن يكون واثق الإيمان, لا يلجأ إلى تصديق المنجمين أو العرافين أو الأبراج. وقد تكون هناك نصائح عامة في الأبراج ومفيدة التطبيق مثل عندما ينصح البرج بالتأني والحرص. فهذه حالات عامة, ولكن عندما نلقي خياراتنا ونعطي للأبراج الكلمة العليا في إدارة شؤوننا الخاصة فهذا غير صحي وغير سليم”. مستدركة “لا يعرف البعض عن أن من يقومون بتحرير الأبراج في بعض المجلات والصحف يقومون بكتابة أشياء من وحي تفكيرهم بعيدا عن علم الفلك ومواقع النجوم”.
مستطردة “أذكر يوم طلب مني رئيس تحرير إحدى المجلات من حوالي 15 عاماً أن أحرر الأبراج, وعندما قمت بشراء كتاب عن الأبراج لأنقل عنه حتى لا أتحمل مسؤولية تضليل الآخرين, احتج وطلب مني أن أبتدع الأفكار”.
وتوضح د. هدى “اعتقد أن الوطن الذي يريد أن يتبوأ موقع الصدارة بين الدول يجب أن يكون حريصاً على مصداقيته ومصداقية أبنائه, وعليه محاربة الشعوذة وتحذير الشباب من الوقوع ضحية السحر والأعمال الخاصة بالشعوذة”.
وتمضي قائلة “كثيرون من الذين يتعاملون مع الشعوذة يضرون بالشخص الذي يلجأ إليهم بعد أن يستدرجونه شيئا فشيئا إلى الثقة التامة بهم. وعلينا أن نتذكر أن الشعوذة والسحر فيهما شرك وفيهما تعامل مباشرةً مع الشيطان, والأفضل أن يتكل المرء على الله سبحانه وتعالى ويثق ثقة تامة بقدرة الله المطلقة وفي التوكل عليه”.
وتنهي بالقول “فالخير دوماً فيما يختاره الله، ومن توكل على الله فهو حسبه، و”اعقلها وتوكل” أي قم بما تستطيع من عمل تراعي فيه الله بعيدا عن السحر والشعوذة”.
قسم مختص بالداخلية لبحث هذه القضايا...
من جهته، يؤكد النائب محمد خالد على أهمية سن قانون تجريم السحر والشعوذة بقوله إن أكثر المشعوذات من النساء اللواتي يقمن بالأعمال السيئة التي تفرق بين الزوج والزوجة.
ويضيف “ومما دفعني للإصرار على طرح الموضوع وتباحثه داخل القبة النيابية هو وجود ساحر من جنسية خليجية كان يقيم في إحدى مناطق البحرين في بيت كبير، ويزوره الناس من داخل البحرين وخارجها، وكان يستخدم الدين لممارسة أعمال السحر والشعوذة، وعندما كشفت أوراقه بأنه يحتال على الناس، هرب من المنطقة عائداً إلى دياره من غير القبض عليه أو التحقيق معه رغم الإبلاغ عنه لدى الجهات الأمنية، لعدم وجود أدلة ملموسة ضده للتحري”.
ويشدد النائب محمد خالد على ضرورة إيجاد قسم مختص لبحث وتحري جرائم السحر والشعوذة لدى وزارة الداخلية على غرار حوادث الاغتصاب، باعتبار الأمر مطلباً مهماً يقضي بالكشف عن مرتكبيه لأنهم منتشرون في مناطق عدة.
ويلفت النائب إلى أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية رفع مذكرة إلى مجلس النواب وضح فيها أنه من غير الممكن إيجاد تعريف جامع مانع متفق عليه للسحر والشعوذة والعرافة، لاختلاف المذهبين السني والشيعي في ذلك. ويرى المجلس الأعلى إذا كان المقصود من طلب مجلس النواب تجريم السحر والشعوذة والعرافة فإنه يمكن إضافة ذلك إلى قانون العقوبات من غير تعريف، على أن يترك للقاضي تحديد ذلك موضوعياً في العلاقة بين الصادر من الساحر والمشعوذ والعراف، والضرر الناتج عنه بوسائل الإثبات المعتبرة قانوناً. ويتابع النائب، “كما تبين للمجلس أنه لم تذكر القوانين الجنائية العربية تعريفاً صريحاً وواضحاً للسحر أو الشعوذة أو العرافة، لأن من عادة القوانين أن تنأى بنفسها عن التعريفات، لكنه قد ترد الإشارة إلى ذلك في الشروح الفقهية والتعليقات القضائية على نصوص القوانين بمناسبة الحديث عن الظروف المشددة الخاصة بجريمة من الجرائم كالقتل والسرقة والاحتيال، كما توجد بعض التشريعات التي نظمت أحكام موضوعات قريبة من موضوعات السحر والشعوذة والعرافة. بمناسبة التمييز بين الكل، كالتشريعات المتعلقة بـ”الباراسايكولوجي”، والتنويم المغناطيسي، والعلاج بالقرآن الكريم وبالرقي وبالطب الشعبي أو تنظيم عمل السيرك أو ما شابهها من الأعمال”.
وزارة العدل: قانون العقوبات يغطي هذه الأفعال
شددت وزارة العدل على أن يكون نص التجريم غير قابل للتأويل، وقانون العقوبات الحالي يغطي هذا الفعل في حال ثبت الاحتيال في ارتكاب الفعل، وإذا تمت إضافة عبارة “منافٍ للشرع” فذلك يستدعي تعريف الأفعال المنافية للشرع تحاشياً للاختلاف بين المدارس الشرعية.
وأشارت إلى أن قانون العقوبات الحالي يطبق العقوبة على من احتال على الأشخاص من باب السحر والشعوذة والعرافة بمقابل مادي وإصدار مجموعة من الأحكام ضد من تم ضبطهم، ولم يستدع ذلك وجود نص مفرد خاص بالسحر والشعوذة.
مداولات النواب لتجريم الشعوذة
أقر مجلس النواب مؤخراً مشروع قانون بإضافة مادة برقم (310) مكرراً لتجريم ممارسة السحر والشعوذة إلى قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 (المعد في ضوء الاقتراح بقانون المقدم من النواب) وإحالته بصفة الاستعجال إلى مجلس الشورى. وذلك بناءً على المقترح الذي تقدم به كل من النواب محمد خالد وعيسى أبوالفتح وعبد الحليم مراد وسامي البحيري إلى مجلس النواب، لتجريم أعمال السحر والشعوذة التي يمارسها البعض في أرجاء المنطقة، باعتبارها أوكاراً تشجع على الرذيلة واستغلال الآخرين وإلحاق الأذى بهم.
وفي خطاب سابق لرئيس مجلس النواب خليفة بن أحمد الظهراني بشأن تجريم السحر والشعوذة، قرر مجلس النواب في جلسته السابعة والعشرين من دور الانعقاد السنوي العادي الثاني في الفصل التشريعي الثاني المنعقدة في 6 مايو/أيار 2008، إعادة تقرير لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بخصوص مشروع قانون، بإضافة مادة برقم (310 ) مكرر إلى قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 لمزيد من الدراسة.
وجاء في الرأي القانوني لدى المجلس، في مناقشة حول ما أثير من ملاحظات بشأن المادة (310) مكرر من قانون العقوبات أنه، أولاً، يعاقب بالحبس أو الغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زاول أياً من أعمال السحر أو الشعوذة أو العرافة، ويدخل في هذه الأعمال كل فعل قصد به فاعله إيقاع شخص في الغلط أو إبقاءه في الغلط الذي كان واقعاً فيه، أو إيهام الناس بوجود واقعة غير موجودة أو إخفاء واقعة موجودة أو تشويه طبيعة الواقع أو باستخدام الوسائل الخفية التي تخالف الشرع سواء بالقول أو بالفعل. وثانياً، إن النص حدد الأفعال التي تدخل في مجال السحر أو الشعوذة أو العرافة ومثال على ذلك، إذا قصد الفاعل إيقاع شخص في الغلط، مثال على ذلك قيام الساحر أو المشعوذ أو العراف بإيقاع شخص في الغلط عن طريق اتهامه بأنه مسحور أو أن الجان يسكنه، أو إذا قصد الفاعل إبقاء شخص في الغلط الذي كان واقعاً فيه، ومثال على ذلك أن يتوهم شخص أنه مسحور أو أن الجان يسكنه فيذهب إلى هذا الساحر أو المشعوذ ويتعمد إبقاءه في الغلط الذي كان واقعاً فيه. وإيهام الناس بوجود واقعة غير موجودة أو إخفاء واقعة موجودة أو تشويه حقيقة الواقعة، مثال على ذلك إيهام الآخرين بأن هنالك قوى خفية تسيطر عليهم وتعمد تشويه الحقائق. هذا إلى جانب استخدام وسائل خفية تخالف الشرع، وجميع هذه الأفعال يجب أن تقترن بالقصد الجنائي لكي يعاقب فاعلها. ثالثاً، فإنه ليس من الصواب القول إن النص المذكور غير محدد ولا يستطيع القاضي تطبيقه، وهناك أمثلة، والمثال الأول هو نص المادة (391) من قانون العقوبات، وتنص بأنه يعاقب بالحبس من توصل إلى الاستيلاء على مال منقول أو سند أو إلى توقيع هذا السند أو إلغائه أو إتلافه أو تعديله، وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية وغيرها من الأمثلة.