مزيج بين أسطورة البريق والهشاشة الإنسانية

استحضار الذاكرة الحيّة للسندريلا في "وحدها تحت الضوء"

| طارق البحار

شهد حي جاكس الثقافي بالرياض انطلاق واحدة من أكثر التظاهرات الفنية والوجدانية عمقاً وخطورة في المشهد البصري المعاصر، حيث افتتح "لفت غاليري" بالتعاون مع سفارة جمهورية مصر العربية لدى المملكة العربية السعودية المعرض الفني الاستثنائي "وحدها تحت الضوء". ويأتي هذا الحدث الفذ ليتزامن بدقة مع الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل السندريلا وأيقونة السينما العربية سعاد حسني، محاولاً النبش في فلسفة غائرة تتمحور حول مفهوم علاقة الإبداع الفني بالعزلة الموحشة والهشاشة النفسية، متأملاً الصدى المستمر لصورتها في الذاكرة الجمعية والتعقيدات العاطفية الكامنة في صناعة الأيقونة الثقافية بعد ربع قرن على غيابها التراجيدي.

المعرض الذي أقيمت مراسم افتتاحه المخصصة للإعلام وسط حضور ثقافي ودبلوماسي لافت، ويستمر في استقبال الجمهور رسمياً حتى الثاني من يوليو المقبل، يقام تحت إشراف ورؤية القيّمة الفنية غيداء المقرن. ويجمع المعرض الرؤى الفلسفية لثلاثة من أبرز الفنانين المعاصرين في مصر والمملكة العربية السعودية وهم: محمد أبو النجا، أيمن يسري ديدبان، ونور هشام السيف، والذين يقدمون من خلال ممارساتهم قراءة بصرية خاصة وتفكيكاً واعياً لصراع الأضواء المسلطة وحساسية المبدع المفرطة. ومن خلال توليفة ساحرة من الأعمال متعددة الوسائط، يستكشف المعرض "الحياة اللاحقة للنجومية"، والمسافة الهشة الفاصلة بين الأسطورة العامة والتجربة الإنسانية الخاصة، متتبعاً مفاهيم الأنوثة والحرية والحداثة التي عكستها أفلام الراحلة، ومزيلاً الستار في الوقت ذاته عن الثمن النفسي الباهظ للظهور الدائم والوحدة المختبئة خلف هتافات المعجبين.

وتتضافر في الفضاء البصري للمعرض، الكائن بمقر الغاليري (I02) في حي جاكس، شظايا سينمائية وسرديات متخيلة يتم تعشيقها عبر فن الفيديو، الرسم، المخطوطات الورقية، والتركيبات الفنية الغامرة والصوت، ليتعامل الفنانون مع سعاد حسني كذاكرة ثقافية حية يعاد تشكيلها باستمرار عبر الحنين والخيال المشترك. وفي مقاربة بصرية مذهلة، صُمم المعرض لينتهي تدريجياً تزامناً مع ذكرى رحيلها الفعلي؛ حيث يتحول الضوء إلى عنصر بنيوي وأدائي في العرض، وفي الأمسية الختامية ستتلاشى إضاءة المكان ببطء شديد في فعل أدائي يجسد مفهوم "الاختفاء" كصدمة تأملية، تثبت أن الذاكرة بناء هش ومتغير تصوغه العواطف والإسقاطات الجماعية للبشر.

وتتتبع الأعمال المشاركة بدقة البنية النفسية للنجومية؛ ففي عمل فن الفيديو للفنان "أيمن يسري ديدبان"، يبرز هبوط بطيء ومتواصل من برج إيفل الشاهق على أنغام صوت المطربة الراحلة "داليدا"، في تجربة حسية مكثفة تستحضر العزلة النفسية القاتلة وثقل العيش تحت وطأة المراقبة الجماهيرية المستمرة. ومن جانبه، يعيد الفنان محمد أبو النجا تشكيل ملامح السندريلا عبر طبقات شفافة ومعقدة تمزج بين الطباعة، الرسم، التصوير، وتوظيف الأقمشة، حيث تظهر صورتها وتختفي باستمرار كاستعارة بصرية بليغة لهشاشة الذاكرة وتعدد الهوية الفنية وتأرجحها. في حين تفجر الفنانة نور هشام السيف أسئلتها من خلال أعمال تركيبية غامرة وصور مجزأة، تتناول موضوعات الانفصال العاطفي، التحول النفسي، وعبء الأداء الفني، واضعة المشاهد في مواجهة مباشرة مع ثنائيات البريق والألم، الصمت والإنكار الداخلي للتغيرات الزمنية والجسدية.

وفي ختام هذا المخاض الفني المتفرد، تقدم لفت غاليري بجزيل الشكر والتقدير إلى الرعاة والداعمين الذين ساهموا في إخراج هذا المشروع الفني إلى النور، مع توجيه تحية خاصة للكتاب والكاتبات الذين أثروا بمقالاتهم النقدية الكتيب الخاص بالمعرض، ومثمنين الدعم الكريم الذي قدمته كل من: روتانا، راديسون بلو، سينما ميم، ميلفوي، ومجلة سيدتي، في رعاية حدث يعيد قراءة الأيقونة كمساحة تتقاطع فيها الأسطورة مع الضعف الإنساني المأساوي.