ورشة فنية تستحضر ذاكرة المنامة وتعيد قراءتها عبر الكولاج
| شيرين فريد
في فضاء يطل على تاريخ المنامة وذاكرتها العمرانية، احتضن متحف كانو بالدور الخامس ورشة ”أطراف البحر.. المدينة“ التي تنظمها الفنانة التشكيلية لبنى الأمين ضمن سلسلة "مبادرات لبنى الأمين الفنية"، وهي مبادرة مستقلة انطلقت منذ عام 2010، واستطاعت عبر سنواتها المتواصلة أن ترسخ نموذجاً مختلفاً للتجمعات الفنية المهنية القائمة على الحوار والتجريب واستحضار الذاكرة المكانية.
وأكدت الأمين أن هذه الورشة ليست ورشة تعليمية بالمعنى التقليدي، وإنما ملتقى يجمع فنانين محترفين من مختلف التجارب والأساليب الفنية، بهدف تبادل الخبرات وخلق مساحة للحوار البصري والفكري. وأوضحت أن المبادرة بدأت عام 2010 من خلال ورشة "نُزُل 88" التي أقيمت في بيت قديم لعائلة سيادي بالمحرق، ثم تلتها ورشة "العمارة" عام 2014 في عمارة يوسف بن عبد الرحمن فخرو، وورشة "البيت" عام 2016، ثم "بيت البنك" عام 2020، وصولاً إلى ورشة "أطراف البحر... المدينة في عام 2026.
وأضافت أن اختيار المواقع ليس أمراً عشوائياً، بل يرتبط دائماً بأماكن تحمل قيمة تاريخية وأسرية متجذرة في البحرين، لافتة إلى اهتمامها المستمر بالبيوت القديمة وما تختزنه من حكايات وذاكرة جماعية. وقالت إن متحف كانو منح المشاركين فرصة نادرة لمشاهدة المنامة من زاوية مختلفة، حيث يطل على أجزاء واسعة من المدينة التي شكلت مصدر إلهام للأعمال الفنية المنتجة خلال الورشة.
وأشارت الأمين إلى أن الورشة تضم 24 فناناً وفنانة من المحترفين، أنجز كل منهم ثلاثة أعمال على الأقل، فيما تجاوز بعض المشاركين هذا العدد، على أن تُعرض الأعمال في معرض خاص يقام بتاريخ 14 من الشهر الجاري. كما توجهت بالشكر إلى عائلة كانو على دعمها المستمر للفنون والثقافة، وحرصها على توفير برامج تعليمية وفنية موجهة للأطفال إلى جانب استضافة الفعاليات الثقافية.
وتوقفت الأمين عند تقنية الكولاج التي شكلت محوراً رئيسياً للورشة، موضحة أن هذا الفن يبدو بسيطاً للمتلقي، لكنه في الحقيقة يتطلب خبرة طويلة في اختيار الورق والألوان والخامات وطرق الطباعة والتكوين البصري. وقالت إن خبرتها الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً في هذا المجال تجعلها تكتشف أبعاداً جديدة للكولاج مع كل تجربة، مؤكدة أن الأعمال المنجزة استلهمت المنامة والبحر والحصار التاريخي والذاكرة الاجتماعية للمدينة.
من جانبه، وصف الفنان زهير السعيد المبادرة بأنها تجسد روح البحرين وروح الفنان البحريني، معتبراً أنها نموذج نادر للعمل الثقافي القائم على الجهود الفردية المخلصة والإيمان الحقيقي بقيمة الفن. وأكد أن استمرار هذه المبادرات عبر سنوات طويلة يعكس الإخلاص للعمل الفني والحرص على تقديم قيمة جمالية وثقافية تتجاوز حدود العرض الفني التقليدي.
وأضاف أن المنامة ليست مجرد مدينة في هذه الورشة، بل تتحول إلى نص بصري مفتوح يقرأه كل فنان بطريقته الخاصة، مستحضراً ما تختزنه من قصص الناس والأسواق والبيوت القديمة وعلاقة البحر بأهلها. وأشار إلى أن الأعمال المنجزة تعكس حالة من الوفاء للمكان والإنسان البحريني، مؤكداً أن المبادرات الفردية المخلصة قادرة على صناعة أثر ثقافي كبير عندما تقترن بالإيمان الحقيقي بالفن وبأهمية المحافظة على الذاكرة الوطنية.
وختم السعيد تصريحه بالقول: "الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارض أو الصور المتداولة، بل بقدرته على ترك أثر في الوجدان، وهذه المبادرة نجحت في أن تجمع الفنانين حول قيمة مشتركة هي حب البحرين وتاريخها وإنسانها، ولذلك أراها واحدة من المبادرات التي تستحق الاستمرار والدعم لما تحمله من قيمة فنية وثقافية ووطنية".
أما الفنان عباس يوسف فأشار إلى أنه عاصر المبادرة منذ خطواتها الأولى، معتبراً أنها تجربة جماعية يقودها الفنانون أنفسهم بروح التعاون والانفتاح. وأضاف أن الورشة تذكره بفكرة البيت بوصفه حاملاً للذاكرة والهوية، مستشهداً بقول الشاعر الفلسطيني غسان كنفاني من روايته "أم سعد"، " لا تتركوا البيوت إحملوها علي ظهوركم كصدفة السلحفاة " وهي ترمز إلى التشبث بالوطن، والهوية، والذكريات، وعدم التخلي عنها مهما قسَت ظروف. بدلاً من ترك "البيت" كجدران ثابتة قد تُفقد أو تُدمر، حمَل الكاتب هذا البيت في الروح والوجدان كـ "صدفة السلحفاة"، لتكون الحماية، الانتماء، والوطن المتنقل الذي لا يمكن لأحد سرقته أو نزعه من صاحبه، كما وردت نفس المقولة علي لسان الشاعر اللبناني شوقي بزيع والشاعر العراقي سركون بولص.
وأكد الفنان أحمد عنان أن مشاركته جاءت امتداداً لتعاون طويل مع الفنانة لبنى الأمين في عدد من المشاريع الفنية السابقة، موضحاً أن محور الورشة يقوم على استعادة تاريخ المنامة وتحويل الذكريات الشخصية والجمعية إلى مشاريع بصرية معاصرة. وأضاف أن عمله الفني يستلهم مشاهد النساء في أسواق المنامة القديمة، باعتبارها جزءاً من الذاكرة اليومية للمدينة.
ورأى عنان أن الفنان يحمل أدواراً متعددة تجمع بين الحس الإنساني والوعي الاجتماعي والرؤية النفسية، مشدداً على أن الفن مسؤولية أخلاقية تمنح الأمل وتدعو إلى التفاؤل في مواجهة العزلة والتحديات المعاصرة. وقال إن الأعمال المشاركة تعكس قيم السلام والانتماء والولاء للوطن، وتؤكد ما تنعم به البحرين من استقرار وتسامح في ظل قيادة جلالة الملك المُعظم .
بدوره، أعرب الفنان محمد تقي عن اعتزازه بالمشاركة إلى جانب نخبة من الفنانين اللامعين، مشيراً إلى أن الورشة أتاحت فرصة مهمة لتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب المتنوعة. وأوضح أن المنامة تمثل نموذجاً فريداً للتنوع الثقافي والديني والاجتماعي، وأن هذا التنوع انعكس بصورة مباشرة على الأعمال الفنية المنتجة. وأضاف أن الجولة الميدانية التي انطلقت من متحف كانو مروراً بفريج الفاضل والأزقة القديمة والبيوت التاريخية شكلت مصدراً غنياً للأفكار البصرية، حيث تحمل كل زاوية من زوايا المدينة قصة مختلفة، فيما تروي النوافذ والأبواب والحواري تفاصيل متراكمة من الذاكرة الشعبية للمنامة.
من جهتها، أكدت الفنانة فايقة الحسن أن الفن قادر على إعادة الإنسان إلى جوهره الإنساني، وأنه الجسر الذي يربط الخيال بالواقع. وأوضحت أنها اعتمدت في أعمالها على إعادة تدوير الصور والخامات ضمن تجربة تجمع بين الأكريليك والكولاج، مشيرة إلى أن الفن بالنسبة لها أصبح مشروع حياة ممتداً لأكثر من ثلاثين عاماً. وأضافت أن أعمالها تنطلق من العاطفة والبعد الإنساني، مع اهتمام خاص بصورة المرأة ودورها في المجتمع، مؤكدة أن الفن يؤدي أيضاً وظيفة توثيقية تحفظ ملامح المكان والناس للأجيال القادمة. كما أشارت إلى استخدامها الرقم "271" في أحد أعمالها بوصفه رقماً يحمل دلالات خاصة بالنسبة إليها.
وقالت الفنانة ضوية العلويات إن الورشة تمثل تجربة جماعية تسلط الضوء على تاريخ المنامة وتحفز الفنانين على إعادة اكتشاف المدينة من خلال البحث الميداني والملاحظة المباشرة. وأكدت أن إقامة مثل هذه الملتقيات تسهم في تعزيز التفاعل بين الفنانين وتبادل الخبرات الفنية والمعرفية.
وأضافت أن الكولاج، وهي كلمة ذات أصل فرنسي، يمنح الفنان مساحة واسعة من الحرية النفسية والتجريب، ويجعله أكثر مرونة وانفتاحاً على الأفكار الجديدة. وأشارت إلى تأثرها بتجارب رواد هذا الفن، وعلى رأسهم الفنان الأميركي روبرت راوشنبرغ،الذي ارتبطت أعماله بالعديد من الحركات الفنية في منتصف القرن العشرين، مؤكدة أن الجمال في الفن لا يقتصر على الشكل الظاهري، بل يمتد إلى الفكرة والرسالة والقدرة على إثارة التأمل.
كما شاركت الفنانة منى المعتز بتجربتها الخاصة، حيث أوضحت أنها بدأت حياتها المهنية كمهندسة معمارية قبل أن تتجه تدريجياً نحو الفن التشكيلي. وقالت إنها كانت ترى كلمة "فنان" مسؤولية كبيرة، لذلك فضلت بناء تجربتها خطوة بخطوة من خلال الممارسة والتجريب والتراكم المعرفي.
وأضافت أنها اتجهت إلى تقنيات الطباعة والكولاج والأكريليك، وكانت قبل دخولها المجال الفني من مقتني الأعمال الفنية لسنوات طويلة. وأكدت أن الفن غيّر نظرتها للحياة ومنحها طريقة مختلفة لفهم العالم، مشيرة إلى أنها أقامت معرضها الشخصي الأول عام 2024 بعد سلسلة من المشاركات المحلية والخارجية.
وكشفت المعتز أن جدها، الراحل صلاح الدين بن حسن بن إبراهيم، هو مصمم باب البحرين، وهو ما عزز ارتباطها بالعمارة والتراث منذ سنوات مبكرة. كما أكدت أنها لا تؤمن بفكرة الإلهام المفاجئ بقدر إيمانها بالمثابرة والاستمرارية والعمل اليومي المتواصل.
وضمت الورشة نخبة من الفنانين والفنانات، من بينهم لطيفة الشيخ، نور الصيرفي، مريم فخرو، جعفر العريبي، إلى جانب المصور محمد بوحسن، حيث قدم المشاركون رؤى فنية متنوعة استلهمت تاريخ المنامة وذاكرتها العمرانية والإنسانية عبر أعمال الكولاج والتقنيات المعاصرة المختلفة.
وتؤكد ورشة ”أطراف البحر.. المدينة“ أن الفن البحريني يواصل تطوير أدواته وأسئلته الجمالية من خلال مبادرات مستقلة يقودها الفنانون أنفسهم، مستنداً إلى ذاكرة المكان وإرثه الثقافي، ومقدماً قراءة جديدة للمدينة بوصفها فضاءً حياً تتقاطع فيه الحكايات الإنسانية مع التحولات العمرانية والاجتماعية. كما تعكس المبادرة قدرة الحركة التشكيلية البحرينية على تجديد علاقتها بالمكان والإنسان والتاريخ، وتحويل الذاكرة البصرية للمنامة إلى أعمال فنية معاصرة تحفظ ملامحها للأجيال المقبلة، وتؤكد أن الفن ليس مجرد إنتاج بصري، بل فعل ثقافي يوثق الهوية ويعيد اكتشافها باستمرار.