العدد 4319
الثلاثاء 11 أغسطس 2020
محمود القصاب
الروح الإنسانية القادمة من جوف (كورونا)
الخميس 02 أبريل 2020

مع تزايد وطأة تفشي فيروس كورونا المستجد في العديد من دول العالم التي داهمها هذا الوباء بشكل مفجع ومخيف طال حتى الآن أكثر من 175 بلداً ناشراً بين سكانها الذعر والخوف، وبينما تجد السلطات الحاكمة في الدول الكبرى نفسها عاجزةً عن مواجهة هذا الوباء مع كل ما تملكه من امكانيات وقوة وجبروت، وشاهد العالم كيف تنهار هذه الدول الواحدة تلو الأخرى ، كما حصل في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعداد الموتى والمصابين في تصاعد مرعب، مما تسبب في معاناة أنظمتها الصحية وتعرضها لضغوط شديدة وهي تواكب آلاف الاصابات، ناهيك عن التداعيات الكارثية التي أصابت القطاعات الاقتصادية والمالية والتعليم والتجارة وأدت إلى شل حركة الاقتصاد العالمي برمته؟؟.

وسط هذه المحنة العالمية والأوضاع المأساوية يعكف بعض علماء الفكر والاجتماع وخبراء العلاقات الدولية وغيرهم من الكتاب على دراسة ما الذي يمكن أن يحدثه هذا الفيروس من متغيرات هائلة تطال الحياة البشرية عامة، سواء على مستوى النظم السياسية والاجتماعية، أو الثقافية، حيث يتنبأ هؤلاء بأن العالم سوف يشهد تحولات كبرى وأن الكثير من البلدان والمجتمعات سوف تعيد تشكيل نفسها على أسس ومعايير مختلفة، عما هو قائم قبل "جائحة" الكورونا، وهؤلاء المفكرون والمنظرون يتوقعون بأن الكثير من النظم سوف تخضع لمراجعة جذرية بعد أن تنتهي هذه الفترة الحرجة، وهم يستندون في هذه التنبؤات على جملة من المعطيات والحقائق التاريخية، بعد أن أعادوا قراءة التاريخ الإنساني وقاموا باستحضار تلك الوقائع والأحداث الكبرى المشابهة التي شهدها العالم خلال حقب زمنية مختلفة وأدت إلى "متغيرات كبرى" محدثة معها "صدمات" "وهزات ارتدادية" تركت خلفها تأثيرات كبيرة على كل المنظومات القائمة وعلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك على موازين القوى القائمة.

ومن بين أهم هذه القراءات المستقبلية لطبيعة وحجم المتغيرات المتوقع حدوثها، تلك التي اشار إليها المنظر الفرنسي وعالم الاجتماع (جاك أتالي) مستشار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في مقال نشره في مدونته الشهيرة تحت عنوان "ما الذي سيولد منه؟؟" وهو مقال لاقى صدى كبيراً تحدث فيه عن المتغيرات والتداعيات التي سوف يخلفها فيروس كورونا على المشهد العالمي، وهو يرى احتمالية بزوغ أو ولادة "سلطات شرعية جديدة" تستند على منظومة قيم مختلفة ليس من بينها ما اسماها "القوة" و"الإيمان" و"السطوة المالية" أو "الاقتصادية".

هو هنا يستحضر تلك الثقافة السائدة في أوروبا في القرن الرابع عشر عندما اجتاح الطاعون الكبير هذه القارة وأدى إلى موت ثلث سكانها، ويشير إلى عجز الكنيسة بكل ما تملكه من سلطة دينية وسياسية عن مواجهة هذا المرض وإنقاذ أرواح الناس، لذا كان لابد أن تحدث مراجعة جذرية لذلك الواقع وتجاوزه لتحل "القوة = أجهزة الشرطة" بديل عن الكنيسة لحماية أرواح الناس ومن ثم تهيئة الظروف والأسباب لنشوء الدولة الحديثة وما رافقها من تطور علمي وصناعي " كنتائج مباشرة أو كموجات صادمة لتلك المأساة الصحية الكبرى" وبذلك يرى أنه ما من "جائحة" تضرب قارة ما إلا وبرهنت على زيف المنظومات القائمة "لفشلها في الحيلولة دون موت أعداد كبيرة من البشر" ويعتقد انه إذا ما ثبت أو تأكد فشل وعجز السلطات القائمة في الدول الغربية على التحكم في هذه المأساة فإن المراجعة واستبدال منظومات الحكم ومعها أسس السلطة الايدلوجية سيكون أمراً حتمياً ليحل مكانها نماذج جديدة قائمة على نوع آخر من السلطة يمكن الوثوق بها، والثقة في قدرتها على حماية الناس وقت الأزمات.

 في هذا السياق يبرز مبدأ التعاطف أو التراحم الإنساني، بين الدول نفسها وبين مواطني ومكونات هذه الدول، فقد كشفت المأساة الراهنة حقيقة عجز الدولة مهما كانت قوتها، وسوف تكون عاجزة دائماً عن مواجهة الكوارث وحدها، كما كشفت هذه المأساة عن بعض صور القبح والأنانية والجشع ونزعة التفرد الكامنة في النفس البشرية، كذلك نزعت الساتر عن بعض مظاهر الجهل والخرافات، وما تعنيه من استخفاف بحياة البشر، وهو ما يفرض أهمية تفعيل النزعات الإنسانية والروابط الطبيعية بين المجتمعات وفي داخلها، ولا يعني هذا إلغاء دور الدولة بل على العكس حيث يرى بعض المفكرين أهمية إعادة الاعتبار لدور الدولة باعتبارها الطرف الأقوى والأقدر على خوض هذه المعركة بما تملكه من سلطة وصلاحيات، وكونها هي الضامن لسلامة وحماية ورعاية المواطنين، دون أن يعني هذا استغلال الظرف الاستثنائي من جانب الدولة والسلطات الكبيرة الممنوحة لها لتكريس المركزية والسيطرة على حياة الناس، لأن الحرية والانفتاح هما اللذان يمنحان المواطن الأمان والاطمئنان وليس التشدد والرقابة الصارمة، وهنا يبرز دور بعض القادة السياسيين من ذوي الحس الإنساني والوطني لتحمل مسؤولية ومهمة التصدي للأزمات والكوارث.

 ويلفت هؤلاء النظر إلى أهمية اهتمام السلطات الحاكمة بالجوانب التي تعلي من قيمة المواطن وتصون حياته وكرامته، بغض النظر عن انتمائه أو عرقه أو دينه ومذهبه والتوجه نحو البناء والاستثمار في هذا المواطن وفي المجالات التي تؤمن له حياة كريمة وما تقتضيه من مستلزمات صحية وتعليمية وسكنية وغيرها من متطلبات الحياة التي تجعله قادراً وفاعلاً في مواجهة الكوارث حال وقوعها، قبل أن يسقط ضحية لها، ماذا يعني هذا؟.

 يعني أن الدول والسلطات الحاكمة فيها خاصة الدول الكبرى ومعها بعض الدول الغارقة في أوهام القوة والتوسع، عليها إعادة النظر في بعض السياسات والاستراتيجيات، وإعادة ترتيب أولوياتها، خاصة في المجالات العسكرية، والاستغراق في بناء الترسانات الضخمة من مصانع ومعامل الأسلحة المختلفة، صاروخية كانت أو نووية أو جرثومية وهي الأسلحة التي لا تقيم أي وزن أو حساب لحياة الإنسان، بل تسعى إلى تدميره عبر الحروب والمجاعات والأوبئة، ومن القضايا الأخرى المتوقع أن يطالها التغيير.

 كما يرى كتاب آخرون هي قضية اقتصاد السوق الجشع القائم على معادلة الربح والخسارة المولود من رحم الرأسمالية المتوحشة والليبرالية المفرطة، والمجردة من أي قيمة إنسانية أو أخلاقية، لأنها جعلت محور الاقتصاد هو الربح وتجاهلت مصالح الشعوب، تفرض هذه الرؤى والتصورات نفسها بدون شك رغم ما تستبطنه من بعض المبالغات.

وأمامنا ذلك الدرس البليغ الذي يقدمه لنا الحال الذي وصلت إليه الدول الكبرى، وهي التي عملت من أجل مصالحها وأطماعها على اخضاع العالم لتوجهاتها ومصالح شركاتها متعددة الجنسيات، هذه الدول نراها اليوم مشلولة عاجزة عن مواجهة فيروس كورونا، كما حصل في أمريكا نفسها وفي الدول الأوروبية الأخرى مثل بريطانيا وإيطاليا وفرنسا التي لم تستطيع بكل أساطيلها الحربية وطائراتها ودباباتها وقف انتشار هذا المرض على أراضيها والفتك بشعوبها وهي التي عملت على مدى سنوات طويلة – ولازالت - تعمل على شن الحروب، وفرض العقوبات على الشعوب والدول ومحاصرتها، وسرقة خيراتها، وثرواتها وهي التي حولت العالم بسياساتها العدائية إلى جحيم تتطاير منه وحوله حمم الموت والدمار والخراب، وجعلت من الكون مجرد غابة يفترس فيها القوي الضعيف.

في قبال هذا التوحش يرى أستاذ العلوم السياسية والوزير السابق "نيكولاس" في سياق حديثه عن المتغيرات المتوقعة بعد أن تنزاح محنة الفيروس –يرى- أن هذا الوباء قد كشف من جانب آخر عن قوة الروح الانسانية، خاصة عند أولئك الذين تصدوا لمكافحة هذه المرض، باعتبارهم نماذج مشرفة مثل العاملين في القطاع الصحي من أطباء وممرضين وغيرهم من العاملين في القطاعات الخدمية والتغذية والبيئة.

 ومن تجربتنا في البحرين يمكن معهم إضافة الفريق الوطني للتصدي لفيروس كورونا وجموع المتطوعين ومؤسسات العمل الأهلي مثل الجمعيات والصناديق الخيرية، وكل الذين أظهروا تعاطفهم مع الناس وقت المحنة، فهؤلاء قد عكسوا قوة وفعالية الإنسان وهو يواجه الأخطار والتحديات، كما تعكس جهودهم إصرار الناس ورغبتهم في الحياة باعتبارها الأقوى دائماً، وإن البشرية في نهاية المطاف قادرة بتكافلها الإنساني على تجاوز المأساة وحفظ العالم من كل الأزمات والمآسي مهما كانت قسوتها كما يقول (نيكولاس) الذي يشاركه المفكر (جاك اتالي) في تأكيده على "العودة إلى أساسيات حياتنا والاستفادة من مرورنا على هذا الكوكب إلى أقصى حد، بدل من تحويله إلى حقل من الخرائب".

ورغم شدة هذه المحنة وقسوتها فإنها إلى زوال بإذن الله ونأمل أن تكون المتغيرات المتوقعة من جانب كل العلماء والمختصين إيجابية فعلاً وأن تقود المراجعة إلي قيم أكثر إنسانية، وأن يكون الجهد الإنساني موجه نحو مزيد من التكاتف والترابط وخدمة المجتمعات ومصالح الشعوب عموماً، والاستثمار في الوسائل والمجالات التي تصون وتحافظ على النفس البشرية مثل الصحة والتعليم، بعد أن تأكد الآن أن القوة العسكرية والاقتصادية وحدهما لا يكفيان لجعل الدولة ذات أهمية وشوكة واحترام في ظل غياب قيمة المواطن وغياب حقوقه الأساسية في المواطنة والمساواة والعدل باعتبارها أساس وجوهر التضامن الاجتماعي المطلوب لمواجهة الأزمات، وكل الظروف الاستثنائية القاهرة، كما هو حال ظرفنا الراهن.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية