العدد 4150
الإثنين 24 فبراير 2020
أحمد المرباطي
ممكن جدا... الحلقة (1)
الجمعة 10 يناير 2020

يحكى أن رجلًا فاضلًا، معروف بنزاهته وإخلاصه، ولكن كان لديه مشكلة أرقت من تعامل معه حتى عائلته، فكلما كان يسأل عن مسألة كان يجيب بعبارة مختصرة وهي "ممكن جدًا..."، وكلما استشير في ملمة أصابت أحدهم أو حدثٍ حدثَ لأحدهم كان يجيب بعبارة "ممكن جدًا..."، وبعد مدة ألمّت بابنه مصيبة، فعندما أخبره بما حل به أجابه بذات العبارة (ممكن جدًا...)، فاستشاط الابن غضبًا ومل مما يردده أبوه الفاضل من تكرار لهذه العبارة (ممكن جدًا... ممكن جدًا... ممكن جدًا...). فطلب منه أن يقص له سبب ذكره لهذه العبارة في كل مسألة أو حدث، فأجابه بأن هذه العبارة تلخص له خلاصة تجاربه في الحياة، وبأن كل شيء ممكن، وحتى يهون على ابنه ما ألم به من أمر جلل، قص له ما حدث له أثناء شبابه والقصة كالآتي:

أنه كان يحب فتاة وكانت هذه الفتاة تحبه حبًا جنونيًا، وكان الناس من حوله يضربون فيهما المثل في هذه العلاقة التي يملأها الحب والإخلاص، وكان لديه صديقان أحدهما غني والآخر فقير، ولم يكن أي منهم يتفارق عن بعضهم لا ليلًا ولا نهارا، وعاشوا حياة الصداقة بأجمل صورها من فرح وآلم وذكريات جميلة وكئيبة بكل ما تعنيه هذه الذكريات من معانٍ، وبعد وفاة عمته التي تقطن في دولة أخرى كان له نصيب كبير من التركة وكانت حبيبته تعلم بهذه المسألة وكان عليه ليحصل على هذه التركة أن يسافر من بلاده إلى البلاد التي تقطنها عمته المتوفاة، ولكن موضوع السفر أرقه، فهو سيؤدي إلى مفارقة حبيبته التي يعشقها ولا يحتمل فراقها ولو لأيام، وكان سفره يستلزم وجوده في الدولة التي كانت تقطنها عمته المتوفاة؛ ليكمل إجراءات الحصول على التركة، فما كان منه إلا أن قام بعمل توكيل لصديقه الفقير الذي كان يثق فيه وبصديقه الغني ثقةً عمياء، وبالفعل وافق صديقه على أداء هذه المهمة واستلم التوكيل وسافر ليكمل إجراءات الحصول على تركة صديقه ويقوم بتسليمها له، ولكن غيابه طال والتواصل معه انقطع، فخاف هذا الشخص على صديقه من أن تكون مصيبة قد ألمت به أثناء سفره، فقرر السفر ليبحث عنه وليتحرى أحواله، وبالفعل سافر إلى الدولة التي تقطنها عمته، وعند وصوله وسؤاله عن صديقه الغائب منذ فترة، تبين له أن صديقه الفقير قد تسلم التركة بأكملها بموجب التوكيل الصادر له وقام بسرقتها وهرب إلى دولة أخرى؛ حتى لا يصل إليه صديقه، متنعمًا بأموال صديقه الذي وضع فيه كل الثقة والمحبة والإخلاص، وبعد أن تقطعت به السبل رجع إلى بلاده مكسور الخاطر والفؤاد، تتملكه مشاعر الحزن واليأس على ما قام به صديقه، وعلى ضياع التركة التي كانت ستغير أحواله من فقر إلى غنى، ولكن القصة لم تقتصر على هذا، فبعد أن علمت حبيبته وأثناء سفره بأنه خسر كل ما يملك وعاد شخصًا فقيرًا لا حيلة له ولا قوة أثناء تواصلها معه وهو خارج البلاد يتقصى أمر صديقه، قررت هي الزواج، ولكن ممن؟ من صديقه الآخر الغني الذي سبق وأن ذكرنا مدى ترابط علاقته معه، والذي استغل وجوده في الخارج وتخلي حبيبته عنه فقام بالزواج منها، فابتلي بـ 3 مصائب، مصيبة الصديق الفقير الذي استغل التوكيل والأمانة التي أعطاها له صديقه وسرق التركة التي ورثها وسافر بها للخارج، ومصيبة الحبيبة التي كان يضرب المثل بعلاقته معها من إخلاص وأمانة وحب منقطع النظير والتي تخلت عنه بعد أن علمت بأن صديقه قد سرق تركته وأنه أصبح فقيرًا لا حول له ولا قوة، ومصيبة الصديق الغني الذي استغل هذا الوضع فتزوج من حبيبة صديقه، فأصبح هذا الرجل الفاضل يكرر هذه العبارة التي اعتبرها خلاصة تجارب تعرض لها بأن كل شي "ممكن جدًا...".

فانكب على العمل بإخلاص وأمانة وأصبح يتاجر في الأقمشة والمنسوجات ورزقه الله من حيث لا يدري ولا يحتسب فتبدلت أحواله من عسر إلى يسر، ومن فقر إلى غنى بعد أن خسر كل شيء فتأكد بأن كل شيء "ممكن جدًا...".

ومن خلال فترة عملي في المحاماة تبين لي أيضا وبعد التجارب التي خضتها في أروقة العمل وغيرها بأن كل شيء "ممكن جدًا..."، ولهذا آثرت أن أقص لكم بعضًا من هذه القصص التي تبين لكم يا سادة يا كرام بأن كل شيء في بلادنا العربية "ممكن جدًا..." وللموضوع تتمة.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية