العدد 3689
الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
محمد الواعظ
ثائر في حقل الشوفان.. كاتب لم يضل طريقه
الأحد 02 سبتمبر 2018

قد أختصر الحديث عن هذا الفلم من خلال نصيحة أوجهها لمن أراد تعلم فن كتابة القصة والرواية على أصولها أو تطوير مهاراته الكتابية، عليه بتخصيص وقت مناسب للتمعن في بعض مضامين هذا العمل الفني، فرسائل عديدة ربما تختصر الكثير من الدروس حول أساليب كتابة القصة والسرد عموما، قدمها سيناريو الفلم، فتبدو لنا رؤية المخرج واضحة، إذ لا يقتصر العمل فحسب على مجرد تقديم سيرة الكاتب الأديب (جيروم سالينجر) مؤلف واحدة من أنجح الروايات على مر العصور ، وهي (تائه في حقل الشوفان). بل يُصور لنا أيضا حال المجتمع آنذاك، المكروه المُثقل بصخب الحياة. فنرى أحواله المزرية من منظور البطل الرئيسي. 

كما يتناول الفلم معاناة الكاتب وعقدته النفسية جراء الظروف القاسية التي صاحبته أثناء وبعد مشاركته في الحرب وتعرضه للخيانة أكثر من مرة، وما ترتب عليه من آثار سلبية كانت بمثابة الحاجز أمام إتمام روايته الشهيرة، إلا أنه عاد لاحقا بعد تشجيعه وإقناعه بحكمة من قبل أحد المعالجين الروحيين ليتمكن من إتمامها ونشرها بنجاح، ليحصد تاليا شعبية كبيرة وسمعة قوية، جعلت دور النشر تتسابق إليه لنيل نشر أعماله الأدبية، رغم تجاهلها ورفض كتاباته سابقا قبل أن يسطع اسمه في سماء الأدب.
من المشاهد التي لفتت انتباهي ما جرى في قاعة المحاضرة أثناء الحوار الهادئ والطريف بين الشخصية الرئيسية الكاتب (جيروم سالينجر) والبروفيسور (وايت بيرنت) مؤسس المجلة الأمريكية (القصة) إذ دار الحديث حول الأساليب المثلى في سرد القصة، وهو ما جعلني أعيد المشهد أكثر من مرة كونه يلامس اهتماماتي الأدبية. ولا أغفل عن ذكر المشهد الرائع والمتقن إلى جانب إيقاع التصوير الموسيقي لطفلين يلعبان الشطرنج بسلاسة مثيرة للدهشة، يتأملهما الكاتب في لحظة خاطفة، فيأتيه الإلهام فجأة ليصف ما يراه بدقة في مفكرته الخاصة. 
من الجميل إنتاج أعمال فنية قلما نشاهدها تروي حياة الأدباء وما تحيطها من أسرار. فنحن أمام مثال حي يستعرض الحياة الأدبية والإنسانية، فضلاً عن تحليل الأحوال النفسية لكاتب روائي اختار طريقه الشاق حين آثر العزلة عن عالمه الضائع المصاب بالتشويش، ليعيش بعيدا في كوخ ريفي متواضع محاط بجدران عالية، تحميه من المتطفلين المهوسين بأعماله الفائقة.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية