العدد 3712
الخميس 13 ديسمبر 2018
عبد العزيز الكثيري
المالية والمصرفية الإسلامية بين الالتزام والإلزام
الخميس 12 أبريل 2018

في إحصائية نُشرت مؤخراً بلغت عدد المصارف الإسلامية في مملكة البحرين ستاً وعشرين مصرفاً من بينها قطاعات التأمين التكافلي والتمويل الإسلامي ، هذه الأرقام استوقفتني كثيراً فعقود المالية الإسلامية كغيرها من العقود يطرأ عليها من المنازعات ما يستدعي حلها وتسويتها قضائياً ، والمالية الإسلامية وإن كانت ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية إلا أنها تجد نفسها محكومة بالقانون الذي يتم الاحتكام إليه أو المحكمة التي تنظر منازعاتها.

وقد أثبتت السوابق القضائية أن اللجوء لقوانين المالية والمصرفية التقليدية أو المحاكم الأجنبية لتسوية منازعات المالية والمصرفية الاسلامية يفضى إلى إفراغ المالية والمصرفية الإسلامية من مقصودها ومحتواها ، ويلزم أطراف المنازعة قضاءً بما يتعارض مع إرادتهما في إنشاء إلتزام قائم على معايير المالية الإسلامية ، مما يجعل من إيجاد البديل المتخصص الذي يتم الاحتكام إليه عند حصول المنازعة القضائية ضرورة تمليها الزيادة في عدد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية والتوسع في أعمالها ونشاطاتها والتي فاقت المالية والمصرفية التقليدية.

وعند الحديث عن البديل الممكن فإن الأنظار تتجه محلياً وعربياً وإسلامياً إلى مملكة البحرين وتحديداً إلى المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية _ الأيوفي _ ، مما يقودنا إلى طرح تساؤل مهم هل المعايير الشرعية صالحة أن تكون قانوناً لتسوية المنازعات المالية والمصرفية الإسلامية . وهل بالإمكان الاستناد إليها في إصدار الحكم القضائي ، في حقيقة الأمر فإن المعايير الشرعية تتوافر فيها ملامح مصادر الحكم القضائي حيث إنها إما تقريرات فقهية وقانونية وإما فتاوى مجمعية وإما تشريعات وأعراف مالية ومصرفية متبعة وجميعها من مصادر الحكم القضائي متى ما قُننت ؛ فإذا ما تم الاتفاق على مرجعية المعايير الشرعية بين أطراف العلاقة العقدية أصبحت في حكم المرجع القانوني النافذ لتسوية المنازعة القضائية ؛ وهنا لا بد من الإقرار أن هناك عقبات موضوعية وفنية تحول دون أن تكون المعايير الشرعية مرجعاً ومصدراً قانونياً يتم الاحتكام إليها في تسوية المنازعات المالية والمصرفية الإسلامية ، فهي بصيغها الحالية لا يمكن أن تُتخذ كقواعد ومواد رافعة للمنازعة وحاسمة للخلاف إذ رُوعي في صياغتها الالتزام الشرعي لا الإلزام القضائي ؛ لذا لا بد من المعالجات القانونية حتى تكون نصوص المعايير الشرعية مصدراً يعتد به في الفصل في المنازعات ومرجعاً فاصلاً وفاعلاً في حسم ورفع منازعات المالية والمصرفية الإسلامية ، وقد نعرض لبعض من تلك المعالجات في مقالات قادمة.

إن وجود المراسيم واللوائح والتراخيص بإنشاء المصارف الإسلامية وتنظيم عملها يجب أن يواكبه صدور قوانين تجارية ومدنية خاصة بالمالية والمصرفية الإسلامية منبثقة عن  المعايير الشرعية ، وفي هذه المرحلة بإمكان الأيوفي أن تضطلع بدور فاعل بعد أن أصبحت مصدراً ومرجعاً في الالتزام الشرعي حيث ألزمت العديد من البنوك المركزية في الدول العربية والإسلامية مصارفها الإسلامية بتطبيق معايير الأيوفي ، وفي هذا الجانب يمكن الاستفادة من تجارب مماثلة استطاعت من خلالها العديد من الهيئات المصدرة للمعايير فرضها وجعلها مرجعاً ومصدراً قانونياً ، ومن ذلك استطاع مجلس الخدمات الإسلامية في ماليزيا استصدار قوانين تشريعية بالإلزام القضائي داخل ماليزيا وفق المعايير الشرعية الصادرة عن مجلسه ، هذا فيما يتعلق في المالية الاسلامية بوجه الخصوص ،  وأما على المستوى الدولي وبشكل عام غير منحصر في المالية والمصرفية فهناك عدد من النماذج من بينها : النصوص التي تصدرها "لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي"  UNCITRALوقانون التعاقد النموذجي للعمليات التجارية الدولية  UNIDROITوالعقود النمطية المصدرة عن ISDA أو IIFM .

غير أن التزام المؤسسات المالية الإسلامية بالمعايير الشرعية مرجعاً لتسوية المنازعات القضائية بعد استكمال المعالجات القانونية لا يكفي دون وجود هيئة قضائية مستقلة وخاصة بمنازعات المالية والمصرفية الإسلامية تلتزم في قضاءها بمعايير المالية والمصرفية الإسلامية وقوانينها ، وفي هذا الاتجاه فإن غرفة البحرين لتسوية المنازعات الاقتصادية والمالية والاستثمارية قادرة في هذه المرحلة على استيعاب واحتضان تسوية منازعات المالية والمصرفية الإسلامية سواء على مستوى المحلي داخل البحرين أو على المستوى الدولي عربياً وإسلامياً ، حيث أن قانون غرفة البحرين يوفر مناخاً مناسباً لذلك حيث تضمنت مواده بجواز نظر أي منازعات من خارج الأطراف ذات العلاقة بمصرف البحرين المركزي ، وكذلك إمكانية الاتفاق بين الأطراف المتنازعة على القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع  .

واليوم وبعد مسيرة نصف قرن للمالية والمصرفية الإسلامية فقد أضحت مملكة البحرين مركزاً دولياً للمالية والمصرفية الإسلامية وقبلة للماليين والمصرفيين الاسلاميين فلم يعد مقبولاً احتكام المالية والمصرفية الإسلامية في تسوية منازعاتها للقضاء الأجنبي أو لقوانين المالية والمصرفية التقليدية ، بل أصبح من الضروري أن ننتقل بالمالية والمصرفية الإسلامية من فضاءات الالتزام الشرعي إلى منصات الإلزام القضائي  ، وكما كانت مملكة البحرين منطلقاً للالتزام الشرعي في المالية والمصرفية الإسلامية فهي جديرة بأن تكون حاضنة للإلزام القضائي في تسوية منازعتها.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية