العدد 3481
الخميس 26 أبريل 2018
محمد الواعظ
الأدب المفقود
الثلاثاء 06 مارس 2018

إنَّ المتتبع للشأن الثقافي اليوم بوجه عام والشأن الأدبي بصفة خاصة، سيشهد حتمًا من خلال موسم معارض الكتب ظاهرة أدبية ثقافية مرهونة بوضع الأدب القديم دون حصر، وقبل أن أخوض في أمره أود أن أطرح سؤالاً مصيريا يشغل هاجسي.. هل التراث الأدبي معرض للفناء كما هو حال مصير المخطوطات النادرة؟

ما يحملني أن أفصح عن حقيقة تساؤلي المقلق هو ما تبثه لنا وسائل الإعلام الحديثة المتمثلة في برامج التواصل الاجتماعي ومواقع الشبكة العنكبوتية. فمنذ أن استدرجتني هذه الملهيات للوقوع في متاهاتها المعقدة ساقني البحث أو بالأحرى المصادفة إلى مراتع الحسابات المعنية بالكتب والقراءة، ويومها استبشرت خيرًا وما زلت كذلك، فها أمة اقرأ عادت لتقرأ، لكن بعد مضي حين من الزمن خاب أملي تدريجيا حتى توالى المزيد من العلل الناشئة عن ظواهر معارض الكتب بالخليج والوطن العربي، فحقيقة وضع الأدب العربي المعرض للإهمال لا تخفيها الشمس كما يقولون، إذ يرصد المشهد توجه جيل قراء اليوم لاستهداف المكتسح من الصنف الأعم للكتب، ما أعنيه بالطبع فئة الروايات عمومًا، علاوة على كتب التنمية الذاتية التي تأتي في المرتبة الثانية من حيث عناية القراء بها .

أما الروايات الكلاسيكية المنسوجة بريشة كبار الروائيين السابقين كأمثال تشارلز ديكنز،  وفيكتور هيجو، وأرنست همنغواي، وتولستوي، أضف إليهم الراحلين من الكتاب العرب كأمثال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، والطيب صالح، وعلي أحمد باكثير، وغيرهم من الفطاحلة الأدباء قلما نجد نتاجاتهم الأدبية تضيء صفحات السوشيل ميديا المختصة بالكتب والقراءة، ولو برزت ندر أن نجد تفاعل المتابعين سواء بحصد علامات الإعجاب أو نشر تعليقات الإطراء تماثل حالة التفاعل والاستجابة في الرواية المعاصرة لو عرضها أحد القراء ممن يتخطى متابعوه الألف في صفحة حسابه ببرامج التواصل الاجتماعي.

وقد يُسوغ قائل منكم معقبًا.. من البديهي أن تحتل الروايات المعاصرة صفحات القراء الإلكترونية، كون حداثتها تتماشى مع النمط السائد لأدب العصر الحديث، كما أنها تلائم توجه ميول قارئ اليوم بما ينسجم مع طبيعة عقليته الخاضعة لظروف العصر.

وإن كنت أتفق مع هذا الرأي المنطقي، فضلاً عن رفضي للتعميم، إلا أنَّ جوهر القضية يكمن حول غياب الأدب القديم –  بما يشبه الزوال – عن رفوف معارض الكتب، وبقائه بعيدًا عن متناول جيل قراء اليوم، وهذه الظاهرة المؤسفة تستوجب وقفة جادة للتقصي في أسبابها ومعالجتها بفاعلية لا تقبل التسويف. فأبرز الأسباب التي أتخذها مسوغًا للظاهرة المتجددة هي غياب الوعي الفكري والثقافي لدى جيل قراء اليوم الواقع تحت تأثير ما تبثه لنا وسائل الإعلام الحديثة المتمثلة في برامج التواصل الاجتماعي، وهو ما نتج عنه بالتالي تأثر العقول الناشئة بمفاهيم سطحية تفتقر إلى الأصالة والفن الإبداعي عمومًا.

وما من أسباب تقع إلا نتاج تقصير واضح، ولا أود أن ألمح إلى جهة بعينها، وإن كان بعض الغيورين يلقي باللائمة على دور النشر العربية، كونها غالبًا لا تنشر سوى النتاج الأدبي المتواضع، بصرف النظر عن البضاعة الأدبية الورقية الرديئة التي لا تمت للأدب بصلة، فغايتها في نهاية الأمر تجارية بحتة عبر التكسب من وراء إصدار الكتب العبثية والفارغة أرباحًا ضخمة معتمدة على أسماء كتابها الذين ينتمون إلى فئة المشاهير إطلاقًا. ومن المثير للدهشة تجدها قد نالت مرادها كما هو الواقع، وخير برهان طوابير القراء الممتدة في معارض الكتب من أجل الظفر بتوقيع أحد  مشاهير الإعلام العصري، وكي أنصف لا أنكر بعض الاستثناءات المرتبطة بالأدباء الجديرين بالانتظار طويلا.

ولمعالجة المشكلة الأساسية المعنية بغياب الوعي، لا بدَّ على الجهات التعليمية الرسمية كوزارة التربية والتعليم أن تفرض منهجًا دراسيا يشمل الكتب الأدبية التراثية وغيرها من الكتب القيمة تفرض على المدارس الثانوية خصوصا، وكليات الآداب في الجامعات العربية. ولوسائل الإعلام المسموعة دور لا يقل أهمية، فلكي تثري محطاتها الإذاعية، بإمكانها إنشاء برامج خاصة تستعرض فيه النوادر من الكتب الفكرية والثقافية، وأذكر قبل سنوات ثمة برنامجًا إذاعيا كان يُبث في إذاعة المملكة العربية السعودية وقت الظهيرة، مضمونه الحديث حول الكتب النادرة. لا أعلم إن حافظ البرنامج على استمراره حتى يومنا هذا أم لا .

حلول عديدة يمكن أن تساهم في توعية قراء اليوم وجذب اهتمامهم نحو التراث الأدبي الأصيل قبل أن يفنيه الإهمال، وبالطبع لا يمكن تنفيذها وإنقاذ الأدب العربي الحق في فترة وجيزة دون العمل بجدية وفق تخطيط مدروس، على أنه لزاما بي التنويه حتى لا يساء فهم موضوعي ويُفسر لدى البعض أنه بمثابة دعوة للتحريض على مقاطعة الإصدارات الأدبية المعاصرة والحديثة، فهي بالطبع لا تخلو من قيمة وأهمية، إلا أنَّ محور الموضوع كله كما أشرت آنفًا يدور حول إحياء التراث الأدبي النفيس وبيان مكانته لدى القارئ العربي اليافع والقارئ الصغير إن أُتيح لمسعانا.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية