جريدة البلاد
خلاصات RSS
جميع الأخبار
بلادنا
إقتصاد البلاد
بلاد العرب و العالم
مسافات البلاد
البلاد سبورت
كتاب البلاد
أهم الأخبار

أعاد الزمان إلى المكان وأشاع دفئًا

عاذرية يلون أمسيته الموسيقية بباقة من الصوفيات والأندلسيات

الخميس 17 ديسمبر 2009

اختار الفنان العالمي عابد عاذرية شاعر أندلسي مجهول الهوية، كبير الأثر والبيان، بداية لأمسيته الصوفية، فأنشد برفقة لغة العالم “موسيقى غربية وشرقية”: لحظها نشوان، خدها بستان... ثغرها عقيان جسمها ريحان... لفظها برهان، وصلها رضوان... ماذا نظمت بذاك القد... من المحاسن نظم العقد. وعلق عاذرية في الأمسية الغنائية التي استضافها مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث على الأثر الأندلسي والحضارة الأندلسية، بأنها من أعظم الحضارات، وجميع الديمقراطيات العالمية المعاصرة، لا ترقى الى المستوى الحضاري، الذي كانت تعيشه بلاد الأندلس، حيث المسلم، يعيش جنبا الى جنب مع المسيحي واليهودي والوثني، مستأنسا بقصيدة محي الدين ابن العربي، التي تقول: لقد صار قلبي قابلا كل صورة... فمرعى لغزلان ودير لرهبان... بيت لأوثان وكعبة طائف... وألواح توراة ومصحف قرآن... أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني.

ومن صوفية ابن عربي الى خمريات عمر الخيام، يحلق عاذرية، قائلا قبل انشاده، إن الانسان، يجب أن لا يكون عاديا وبائسا، بل يجب أن يحلق نشوانا في الفضاءات الرحبة، ويخلق الشيء من اللاشيء، بالكيمياء البشرية، التي لولاها لما كان ثمة فيزياء، لولا التمازج والتجانس، لما كانت الحركة/النتيجة الحتمية لشرارة البرق/ الحب؟ ولولا البرق لما كان الرعد، لما كان الصهيل، لما كان العناق، فأنشد كيمياءً صرفا خالصا، قال فيها: خل عنك القضاء والأقدار... سوف تقضي وما تقدر صار... واتبع ملتي وحسبك ملة... كأس خمر تشفيك من ألف علة... كيمياء ترضيك فاشرب وحول... حال بؤس نعما يسرك حالا.
ولأن الأثر العربي شعر وحب، وهو أعظم انجاز اخترعه العقل العربي، فكانت قصة الحب العربي، التي كان كيميائها “مجنون ليلى”، أعظم اختراع/ أعظم قصة حب، أنشد “عاذرية” قائلا:
زها جسم ليلى في الثياب كما زها... مع الغصن غصن قد تزايد عودها... بربك هل ضممت إليك ليلى... قبيل الصبح أو قبلت فاها؟
تكاد يدي تندي إذا ما لمستها... وينبت في أطرافها الورق الخضر... أقول لأصحابي هي الشمس ضوءها... قريب ولكن في تناولها بعد... يقولون مجنون يهيم بذكرها... ووالله ما بي من جنون ولا سحر... تدوايت من ليلى بليلى عن الهوى... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر.
ولأن تاريخ المكان، يستحق الثناء، ويستحق استحضار طرفة ابن العبد، ابن هذه الارض، وأنكيدو الباحث في دلمون عن نبتة الخلود، كانت ملحمة “جلجامش” التي تروي قصة صداقة بين جلجامش، وأنكيدو تولدت من خلال المنافسة وتقوى في المخاطر لتنفصل بموت أنكيدو وفي قلب جلجامش ألم كبير الذي ينجو من الموت، ويتحول الخوف الى قلق مضن، عندما يعي فجأة هباء الحياة، من دون جدوى سوف يبحث يائسا عن سر الخلود، حتى يحين اليوم الذي يعود فيه من أسفاره الطويلة، ويجد أخيرا الهدوء والحكمة، لينشد على ضوئها الفنان “عاذرية” المقطوعة التالية: من يبني بيوتا تدوم الى الأبد؟ من يقطع عهدا يدوم الى الأبد؟ الناس يرثون يقتسمون فأي ارث يدوم الى الأبد؟ البغضاء حتى البغضاء أتبقى الى الأبد؟ النهر يطوف. لكن أيطوف النهر الى الأبد؟ أنظل نشاهد نور الشمس؟ لا لم يكن الخلود منذ القدم. ما أشبه النائم بالميت، على سحنتيهما تظهر هيئة الموت، والعبد كالسيد عندما ينتهي الأجل يتساويان.
ويبقى “عاذرية” في ذات المكان، ولكنه يعرج الى تاريخ مغاير لجلجامش، حيث شاعر البحرين “طرفة بن العبد”، هذا الشاعر الفارس المحب للحياة، الذي سبق الشاعر الفرنسي رامبو بثلاثة عشر قرنا في العيش بوهيميا، غير آبه بمعتقد، استهوته الدنيا بكل متعها، وسمي “الفتى القتيل” ذلك أنه حمل بيده رسالة اعدامه، ولم يكن يجيد القراءة، فكانت المقطوعة الشعرية الرائعة على لسان عاذرية: أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة... وما تنقص الأيام والدهر ينفذ... ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزود... ويأتيك بالأخبار من لم تبع له...بتاتا ولم تضرب له وقت موعد... ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى، وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي، فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي، فدعني أبادرها بما ملكت يدي، وما زال تشرابي الخمور ولذتي، وبيعي وانفاقي طريفي ومتلدي.
ليعرج مرة أخرى الى الشعر الصوفي، وتحديدا الحلاج الشخصية الصوفية النموذجية، الذي صلب بعد محاكمة صاخبة في بغداد، حيث كانت حياته ضحية لصراع تجاوز فيه حبه الصوفي الشريعة القائمة، فكانت أن استلهم عاذرية الحب والروح في أرقى تجلياتهما الصوفية، من شعر الحلاج، فإنه بذلك يستلهم الروح/ النسيم/ الحب المسكون في وسط الحشا، فأنشد قائلا: يا نسيم الريح قولي للرشا، لم يزدني الوِرد إلا عطشا، لي حبيب حبه وسط الحشا، لو يشأ يمشي على خدي مشا، روحه روحي وروحي روحه، إن يشا شئت، وإن شئت يشا.
في أمسية عابد عاذرية الرائعة، ثمة باقة من المقطوعات الشعرية الأندلسية والصوفية، أعطت للمكان مناخا روحيا صرفا، واشاعت دفئا روحيا، لم يكن مفقودا، بل كان موجودا، بانتظار من يبحث عنه.
رافق الفنان العالمي عابد عاذرية المولود في مدينة حلب السورية، كل من عازف البيانو: برونو بلتوار، وعلى الاكورديون: فرانسيس جوفان، وعلى آلة الفيولا: جان لو ديكامب، وعلى الكونتر باص: أوليفيه موري، فيما تلاقحت تلك الآلات الغربية بايقاعات الرق والدف الشرقي، الذي أبدع عليها الفنان نادر مرقص.


لا توجد تعليقات

الإسم

البريد الإلكتروني

التعليق


البلاد موبايل نبذة عن الجريدة كيف تصل إلينا الوظائف الشاغرة الإتصال بنا