العدد 4323
السبت 15 أغسطس 2020
حرثٌ في السراب
السبت 15 أغسطس 2020

السرابُ وهمٌ في العقل غيرُ حقيقة، تراه العين فتعتقد أنهُ حقيقة في لحظةٍ ما، ترى بركة من المياه على بُعْد أمتار، وحين تصل إلى حيث ما توهمته ماء سرعان ما يختفي، أو ربما انتقل إلى مسافة أمتار أخرى، فتكذبه ولا تتعامل معه على أنه حقيقة! تقول العرب قديما للتعبير عن استحالة حدوث أمرٍ ما “لا تتعب نفسك، فالأمر مستحيل كاستحالة الحرث في السراب تماما”. السرابُ له قوة تؤثر في البائس، فيظلُ متمسكاً بذلك الوهم، آملا أن يكون كما يرى، حتى إن اقترب وتلاشت الصورة!


اسمحوا لي اليوم - أعزائي القراء - أن أقرب المعنى أكثر، لنتعرف معا على صور الحرث في السراب من خلال المواقف التي يشهد بها واقعنا اليوم.


المسؤول اللامبالي، الذي لا يحقق لمؤسسته أي نجاح يُذكر، والذي يجعل مؤسسته خارج سباق الريادة والتنافسية، يومه مثل أمسه! لا يجتهد في إنجاز العمل على أكمل وجه، ولا يسعى لتطوير نفسه، ذلك المسؤول لا أمل منه أبدا، وبقاؤه في منصبه حرث في السراب.


المسؤول المتعالي، الذي لا يملك من العلم إلا قليلا، ذلك الذي يستر نقصه بالغرور، ظناً منه أن التعالي يعلو بمكانته، وأنه سيتبوّأ به مكانا رفيعا في قلوب الموظفين، فتراه يتقمص كل صباح شخصية الممتلئ علما وهيبة، ويرى أنه الأفضل دائما، وفعله هذا ليس إلا حرثاً في السراب.


الذي يكدح ليلا ونهارا، لا همّ له سوى جمع المال، يسعى جاهدا لرفع رصيد ماله ليرفع رصيد ذِكْرِه بين الناس، وصِيْتِهِ بينهم! يتوهم أن المال وحده يرفع شأن صاحبه ويعلي مكانته، دون علم وعمل وأخلاق؛ هو حرث في السراب.


أن تكونَ في نقاشٍ علمي مع أحدهم متبعاً أساليب الحوار وآدابه، مستمعاً جيداً للرأي الآخر ومنضبطاً في التعبير والبيان، ويكون ذلك الطرف الآخر معتداً برأيه ولا يفقه الفرق بين الرأي والعقيدة حينها ثق أن الحوار معهُ مستحيلٌ وحرثٌ في السراب.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .