العدد 4322
الجمعة 14 أغسطس 2020
حرق الكتب
الجمعة 14 أغسطس 2020

يصل دوماً إلى مسامعنا من يتفاخر بالقول “أنا أقرأ كل شيء!”، والحقيقة أنها عبارة تدل على العشوائية والتخبط، كما تشير باطناً إلى المعنى العكسي لما يراد الإقناع به، فهل كل ما يكتب يجدر أن يقرأ، أو يستحق أن يقرأ؟! وهل الجميع قادر على تمييز الصالح وعدم التشبع بالطالح مما يقرأ؟!


قبل سنوات طويلة مضت، كنت جالساً مع أحد المثقفين (رحمه الله)، وقال لي إنهم كانوا يتفاخرون أشد المفاخرة، عندما ينتهي أحدهم من قراءة كتاب ما، فقد كان ذلك بمثابة حدث مهم، فيتحدث القارئ حينها عن المحتوى، ويبدي رأيه فيما قرأ، ويشرك الآخرين بالنقاش.


سبب تباهي وتفاخر ذلك الجيل من قدامى المثقفين هو ما يشير إليه الفيلسوف البريطاني برتراند راسل بقوله “هناك نوعان من الدوافع لقراءة كتاب، الأول؛ أن تستمتع به، والآخر؛ أن تتفاخر به”، كانت للقراءة في ذاك الزمن قيمة عظمى ومثلى، وتأثير واضح على بناء الأجيال، أما الآن، فالعزوف عن القراءة سيد الموقف، وبات التسارع، الذي لا يأبه بحديث الكتب، مسيطراً على تصرفات الجيل الراهن.


وفي الوقت الذي نرى فيه أنه ليس كل ما يكتب يستحق أن يقرأ، وأن هناك ما لا يجدي أن يقضى وقت ويبذل جهد فيه أو يوهب ساعة من التفكير والتمعن؛ لأنه قد يزيغ بالعقول إلى مساحات مظلمة لا جدوى منها، نرى أن قراءة كل شيء (ذي قيمة) مدعاة للتباهي والفخر، وأن الأخذ بآراء الثقاة، والنظر بعين الاعتبار إلى مستوى الكتاب والباحثين، مفيد في اختيار الكتب، خصوصا والقارئ لا يزال في مرحلة النضوج الفكري، مع شدة الضرورة في أن تبقى مقولة جوزيف برودسكي عالقة في الأذهان “هناك جرائم أسوأ من حرق الكتب، إحداها ألا تقرأها”، وبالتالي من المفيد حقاً أن نعكف على قراءة ما يستحق أن يقرأ بدل ذر الرماد في الأدمغة من قراءة أي شيء!.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية