العدد 4322
الجمعة 14 أغسطس 2020
من العقل المبرمج الإعيائي إلى العقل الذاتي الشفائي
الجمعة 14 أغسطس 2020

في منحنى سير البشرية نحو التطوّر، نجد أنفسنا اليوم في منعطف النقلة النوعية التي تصنع الفرق بين ما كان وما سيكون، حيث إنّ ذلك الفرق ليس من الممكن أن يتجسد على أرض الواقع إلا إذا أدركنا ماهيّة العقل، فمن الدماغ ينشأ العقل، والذي يكون إما مبرمجا بأفكار الآخرين أو مبرمجا بأفكارنا الذاتية، وفي ذلك لنا الخيار في أن نبقى بالعقل المبرمج، أو أن نعمل النقلة النوعية بتكوين العقل الذاتي، لكن علينا أن نعي ما للخيارين من نتائج ومسؤوليات مترتبة لها أثر كبير علينا.

فلنبدأ بتعريف ماهية العقل الذي يشكل 95 % منه وعاء للأفكار التي نتحرك ونتصرف وفقها، وفي ذلك المفهوم العميق وقفة تأمل، كأن تكون هناك مشاعر مختزنة في فكرة معينة نشأت خلال السنوات الست الأولى من أعمارنا، بحيث أن تلك المشاعر التي نتحدث عنها هي بالأغلب سلبية الطبع كالخوف والغيرة والشعور بالذنب والظلم والغضب، وتلك المشاعر ليست أمرا عابرا وسهل المرور كما هو الاعتقاد السائد، لسببن: الأول هو أن تلك المشاعر لها طاقة منخفضة (أي موجات بترددات منخفضة صادرة عن تلك الأفكار) بحيث يكون تأثيرها على أعضاء معيّنة في الجسم، والسبب الثاني هو أن تلك المشاعر المبرمجة بتلك الفكرة في اللوزة الدماغية (الأميجدالا) في الدماغ، تؤدي إلى رد فعل الكر أو الفر، والذي هو كاستقبال خطر مداهم كوجود أسد مثلا، ذلك الاستقبال عن طريق ما يسمى بتحت المهاد (الهايبوثالاموس) في الدماغ، الذي بدوره يهم بإرسال إشارات عصبية وكيميائية إلى الغدّتين الكظريتين لإفراز النورأدرينالين والأدرينالين والكورتيزول، بحيث تؤدي تلك الهرمونات إلى ردود أفعال تضر بكفاءة عمل أعضاء الجسم إذا كان إفرازها بشكل مزمن، لأن تلك الهرمونات معنيّة بالاستنفار الذي فيه استنزاف لموارد الطاقة في الجسم لأجل فعل الحماية، حيث إن ذلك الفعل يمنع استخدام تلك الطاقة في بناء الجسم وتجديد الخلايا وإصلاح التالف منها، وفي هذا يكون الجسد تابعا للعقل بكل ما فيه من أفكار ومشاعر يتصرف على أساسها دون وعي.

كلنا نحمل ذلك العقل المبرمج في أجسادنا دون أن نعي له، لأن أفكاره نشأت دون تمييز أو تمحيص حيث كنا في أعمار صغيرة، ودون لوم لمن أنشأوها بنا لأنهم برمجوا عليها أيضا، ذلك ما نحتاج أن ندركه وأن نعي له، لكي نحدث النقلة النوعية إلى عقولنا الذاتية إن شئنا! أولا: تلك الأفكار جميعها نشأت من انتقال ومضات كهربائية وإشارات كيميائية من خلية عصبية إلى أخرى في الدماغ، فأصبح رابطا عصبيا معنيا بالفكرة والتي اقترنت بمشاعر معينة وسلوك معين بفعل المحيط، ثانيا: تلك الروابط إن أدركناها وأيقنا أنها تعيق إبداعنا وتطوّرنا، فإننا بالتأكيد سنضعف استحواذها على سلوكياتنا، وبالتالي ننشئ سلوكيات جديدة مرتبطة بذواتنا، ولكن كيف؟ أولا: علينا أن ندرك من نحن، ما هي هوية أرواحنا، ما هي قيمنا العليا الذاتية التي هي سر وجودنا، ثانيا: وضع استراتيجية هدف منطلق من القيمة العليا، نتحرك فيه بخطوات أفقية ورأسية خلال بعدي الزمكان، فنكون بهذا في اتجاه المستقبل وخارطة طريق خلاقة روحية واعية وليست مادية غير واعية، هنا فقط نبدأ بإنشاء روابط عصبية مقترنة بأفكارنا الذاتية الخاصة بخارطة طريقنا، ومع الاستمرارية والمثابرة نضعف روابط البرمجة، ونكوّن عقولنا الجديدة الواعية المربطة بالعقل الذاتي المتجدّد والمنعكس على أجسادنا بالتجديد والنمو والصحة التكاملية، دعوة إلى التأمل في الذات.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .