العدد 4314
الخميس 06 أغسطس 2020
وجعُ الفقد
الخميس 06 أغسطس 2020

وجعُ الفقد أصعبُ ألمٍ قد يتذوقه المرءُ على الإطلاق، فيعتصر ألماً لفراق الأحبة، ويظنُ المرء أنَّ حياته لا معنى لها ولا ضرورة، وقد يُعبرُ عن رغبته في الرحيلِ هو الآخر، وقد يتعدى مفهومُ الفقد كل ذلك ليشمل فقدَ الأحلامِ والأهداف في الحياة أيضاً، فهو إذاً حالةٌ من التعبير عن الخسارةِ التي لن تُعوض أبداً.

ويمرُ الفردُ بمراحلَ عادةً ما يمرُ بها الفاقدون، وتكونُ المرحلةُ الأولى هي الأمر والأكثر صعوبة، وتبدأ من لحظة وقوعِ الفراق؛ إذ تبدأُ حالةٌ من الإنكارِ لكلِ ما حدثَ بسبب الصدمة، ويظنُ الفاقدُ أنَّ خطأً حدث وسيتمُ إصلاحه، أو أنَّ الشخصَ الذي فقده سيعودُ حتماً، أو أنه حلمٌ مزعج وسيستفيقُ منه. منهم من يصمتُ لحظةَ الفراق، ومنهم من يُرجِئ الشعورَ بالألم، ومنهم من ينفجر بالبكاء ويحاول إيقاف ذلك الكابوس بصورةٍ مستميتة دون جدوى، ثم تأتي المرحلة الأصعب والأخطر، وفيها يُدركُ الفاقدُ أنَّ الفقدَ حصلَ ولا ريب؛ فيبدأُ بتجرعِ ألمِ الفقد الممضِ يومياً؛ إذ يُدركُ فقد محبوبه حقيقةً فيفتقده على الدوام ويقوى الشعورُ بالفقد مع عدمِ عودةِ المفقود، وتزدادُ الألآمُ شراسةً عندما يستدعي ذكرياتهُ معه. ثم تختلطُ مشاعرُ الألمِ تلك مع مشاعرِ الغضب والهجر والإحساس بالذنب والحزن والشفقة على النفس والرغبةِ في الاختفاء أحياناً، وإن لمْ يُتدارك الفاقدُ في هذه المرحلة من قِبلِ المحيطين، كان فريسة للاكتئابِ والعزلةِ المرضية، وهي ما يُطلقُ عليها بمرحلة “الألم”.


تأتي بعدها مرحلةُ “التقبل أو التكيف”؛ حيث يبقى الفاقدُ في حالةٍ من الألم، لكنه يستعيدُ توازنهُ أخيراً، ويبدأ بممارسةِ حياته وعمله من جديد ولكن بوتيرةٍ ضعيفة، وفيها يُدركُ أنَّ ما حدث واقع لا خيال؛ فيبدأُ بالتقبل. وأخيراً يتلاشى الألم وتُقلبُ صفحةُ الفراق بوعي، فيبدأ الفاقد بدايةً جديدةً يُطلقُ عليها “مرحلة النسيان”، حين يتلاشى الألم لا الحب.


يبقى أن نقول إنّا مختلفون بطبائعنا؛ فمنا من يمرُ بكل تلك المراحلِ في أيامٍ أو أسابيع ومنا من يستغرق شهوراً أو سنين، ورغم أنَّ المراحلَ ثابتة إلا أننا نختلفُ في قدرتنا على المرورِ عبر تلك المراحل بحسب تكويناتنا النفسية واستعدادنا للعبورِ بسلام، وما نتلقى من دعمٍ ومساندة ممن حولنا كي نخرج من أوجاعنا بأقلِ ضرر. وهنا يجدرُ القول إنَّ التمسكَ بالدين والثقةِ بالله والإيمانِ بالقضاءِ والقدر عواملُ أساسيةٌ للخروج من أزمةِ الفقد.

كما أنَّ الانشغالَ بالعملِ والهوايات والتواجدِ مع الأهل والأصدقاء كفيلٌ بإخراجنا من شرنقةِ الحزنِ والألم لفضاءِ التسليمِ والرضا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .