العدد 4311
الإثنين 03 أغسطس 2020
طبيب الغلابة... الإنسان
الإثنين 03 أغسطس 2020

قيل في مهنة الطبيب (إن أردت الشفاء فاقصد طبيبًا حاذقا ذا لطافة وذكاء واحترس أن يكون فظًا غليظا، وإن لطف الطبيب نصف الدواء)، عُرفت مهنة الطب منذ القدم، حيث كان الإنسان في البداية يداوي نفسه بشتى الأدوات التي كانت تعينه حينها، ثمّ أصبح هناك أناس متخصصون بهذه المهنة يسعون لمحاولة شفاء كل مريض، مع استخدام الأجهزة الحديثة التي تعينهم على ذلك، وإعطاء المرضى الدواء المناسب لحالاتهم، فمن دون هذه المهنة لكانت الحياة جحيماً ولما استطاع الناس أن يتابعوا حياتهم بشكل طبيعي، ولانتشرت الأمراض والأوبئة في المجتمعات، فالطبّ يكون في تطوّر دائم لحماية الإنسان من كلّ ما يمكن أن يضرّ صحته.

يبرز دور الأطباء والممرضين في أشدّ الأزمات الإنسانية كالحروب وحالات الأوبئة العالمية وغيرها، فتراهم يهبون لنجدة إخوانهم من البشر رغم ما قد يتعرضون له من أخطار، لكنّ ذلك لا يثنيهم عن واجبهم الإنساني، فالطب مهنة نبيلة تستحق من أصحابها ما يبذلونه في سبيل نجاة الإنسانيّة وحمايتها.

وأود أن أخصص مقالي اليوم للدكتور محمد مشالي الذي انتقل إلى الباري عز وجل بتاريخ ٢٨ يوليو، هذا الطبيب المصري كان يسمى "طبيب الغلابة" باللهجة العامية المصرية أي الفقراء، حيث كان يتقاضى خمسة جنيهات وزاد أخيرا إلى عشرة جنيهات (٢٢٠ فلسًا)، هذا الطبيب (الإنسان) ضرب أروع الأمثلة في مهنة الطب، ألا وهو الجانب الإنساني الذي مع الأسف الشديد يفتقده الكثير من الأطباء. هذا الإنسان العظيم الذي رسخ حياته في خدمة الفقراء ورفض الكثير من العروض والمساعدات من منظمات خيرية وإنسانية، وحين قبل بعض تلك المساعدات في مناسبات نادرة، بادر وخصص المبلغ لشراء بعض الأجهزة الطبية لإجراء التحاليل لمرضاه.

وبصراحة شديدة وأنا أكتب عن هذا الإنسان لا أكاد أصدق أنني أعيش في هذا الكوكب وفي هذا الزمن الذي تحكمه المادة ولا غير، وكما ذكرت في بداية المقال إن الطبيب الناجح هو ذلك الذي يكون لطيفًا وذكيًا وبأخلاق عالية، حيث إن الجانب الإنساني والخلق العظيم هو نصف العلاج. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، لابد أن نجعل من طبيب الغلابة أيقونة يقتدي بها الجيل الجديد من الأطباء، وأن يكون رمزًا خالدًا من رموز الدولة المصرية وأن تدرس تجربته في جامعات الطب هناك.

لا شك أن مثل هذا الطبيب ليس من السهل استنساخه في هذا الزمن، إلا أننا في نفس الوقت لا نبخس دور جميع الأطباء في جميع تخصصاتهم الذين أبلوا بلاء حسنا في مهنتهم الشاقة التي تتطلب تضحيات جسيمة، وكل ما أتمناه من الأطباء إعطاء القليل من وقتهم الثمين لمرضاهم، والكل يعلم أننا نملك أطباء رائعين في تخصصاتهم ولكن البعض منهم لا يعطي المريض حقه من الوقت المخصص! وهذه نصيحة لوجه الله لأطبائنا الكرام، وليعلم الطبيب أن سمو أخلاقه واحترامه المريض سر نجاحه وهو ما يميزه عن غيره، حيث إن هناك الكثير منهم لم يقفوا رغم كفاءتهم بسبب افتقادهم هذه الجزئية المهمة جدًا.

أسأل الله أن يسبغ علينا جميعا ثياب الصحة والسعادة، ويبعد عنا وعنكم هذا البلاء والوباء سريعًا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .